المغرب

حين يُقصى العقل من المعرض… هل يتحول الكتاب إلى فرجة؟


لم تكن “المقاطعة غير المعلنة” التي لجأت إليها عدد من الجامعات في الدورة الحالية للمعرض الدولي للنشر والكتاب (1–10 ماي 2026) مجرد رد فعل عابر على “شروط مجحفة”، بل هي إشارة قوية إلى خلل عميق في تصور هذا الموعد الثقافي ودوره. فحين تختار مؤسسات أكاديمية تقليص حضورها أو الانسحاب بصمت، فإن الرسالة أوضح من أي بيان: هناك فجوة تتسع بين منطق المعرفة ومنطق التنظيم.
المعرض الدولي للكتاب، في جوهره، ليس سوقًا للورق ولا مهرجانًا للصور التذكارية. إنه فضاء لتلاقي الفكر، ومنصة لعرض الإنتاج العلمي، ومجال لتجديد الصلة بين الجامعة والمجتمع. لذلك، فإن حضور الجامعات ليس ترفًا، بل ركيزة أساسية تمنح المعرض عمقه ومشروعيته الثقافية. وحين يتراجع هذا الحضور إلى حدّه الرمزي، فإن المعرض يفقد جزءًا من روحه، ويقترب أكثر من منطق الفرجة على حساب الفكرة.
ما الذي حدث إذن؟
المعطيات المتداولة تشير إلى شروط تنظيمية لم تعد تستوعب خصوصية الفاعل الأكاديمي: كلفة مرتفعة للأروقة، شروط لوجستية غير ملائمة لطبيعة العرض العلمي، وضعف في برمجة الندوات ذات الطابع البحثي. هذه العوامل مجتمعة تدفع الجامعة إلى الهامش، وتفتح الباب أمام أشكال أخرى من الحضور، قد تكون جماهيرية، لكنها في كثير من الأحيان تفتقر إلى العمق المعرفي.
المشكلة هنا ليست في الانفتاح على الجمهور الواسع، فهذا هدف نبيل، بل في اختلال التوازن. حين تتقدم “الفرجة” على “الفكرة”، وحين يصبح معيار الحضور هو عدد المتابعين لا قيمة المحتوى، فإننا نكون أمام تحول خطير: من معرض للكتاب إلى معرض للضجيج الثقافي.
إن الجامعة، بما تمثله من إنتاج علمي رصين، لا يمكن أن تُعامل كفاعل ثانوي داخل هذا الفضاء. فهي ليست مجرد عارض بين عارضين، بل شريك أساسي في صناعة المعنى. وإقصاؤها، سواء بشكل مباشر أو عبر شروط غير ملائمة، هو إقصاء للعقل النقدي نفسه.
ثم إن الرهان أكبر من مجرد دورة سنوية. نحن أمام سؤال ثقافي عميق: أي نموذج نريد لمعارضنا؟ هل نريدها منصات لتسويق الكتب فقط، أم فضاءات حقيقية للنقاش الفكري وإنتاج المعرفة؟ وهل يمكن بناء مجتمع قارئ دون إشراك فعلي للمؤسسات التي تنتج المعرفة؟
ما يحدث اليوم يستدعي وقفة تأمل حقيقية من طرف الجهات المنظمة. فإعادة الاعتبار للبعد الأكاديمي لا تعني إقصاء باقي الفاعلين، بل تعني إعادة التوازن. تعني خلق شروط تُمكّن الجامعة من الحضور الفعّال، وتُشجع الباحثين على الانخراط، وتمنح القارئ فرصة الاحتكاك المباشر بالفكر العلمي.
في النهاية، المعرض الدولي للكتاب ليس مجرد حدث عابر، بل مرآة تعكس تصورنا للثقافة. فإذا كانت هذه المرآة تُظهر تفاهة في القمة، وغيابًا للعقل في الهامش، فإن الخلل ليس في الصورة فقط، بل في من اختار زاوية التصوير.
ويبقى السؤال معلقًا: هل نملك الجرأة لإعادة ترتيب الأولويات، أم سنكتفي كل سنة بتجميل واجهة تخفي وراءها فراغًا متزايدًا؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى