المغرب

حين يهدد “الخزان الانتخابي”: هل سيقضي الأحرار على الفقراء أم على أصواتهم؟

بقلم: المسكين يوسف


في خرجة سياسية تستحق أن تُدرَّس في فن “قول الشيء وعكسه”، أعلن رشيد الطالبي العلمي، القيادي في حزب التجمع الوطني للأحرار، أن حزبه “لم يعد يقبل أن يكون هناك فقراء في المغرب”. تصريح نبيل… إن أخذناه ببراءة الأطفال، أو بخيال الشعراء، أو حتى بنوايا الحملات الانتخابية.
لكن، على أرض الواقع، بدا التصريح وكأنه قنبلة ساخرة انفجرت في وجه أصحابه قبل خصومهم. لأن السؤال الذي قفز فوراً إلى أذهان المغاربة لم يكن: كيف سنقضي على الفقر؟، بل: وماذا عن الانتخابات إذن؟
في بلد يعرف الجميع فيه أن “الخزان الانتخابي” ليس مصطلحاً نظرياً بل واقعاً ملموساً، يصبح الحديث عن القضاء على الفقر أشبه بإعلان حرب على… القاعدة الناخبة نفسها. وكأن الحزب يقول، دون أن يدري: “سنحسن أوضاعكم… حتى لا تعودوا تصوتون لنا”.
المفارقة هنا ليست فقط في التصريح، بل في التوقيت والسياق. فبعد سنوات من الوعود بتحسين القدرة الشرائية، وجد المواطن نفسه أمام أسعار ترتفع أكثر من طموحات السياسيين، وأمام واقع اجتماعي يجعل “القضاء على الفقر” يبدو أقرب إلى شعار إعلاني منه إلى برنامج حكومي قابل للتنفيذ.
ولأن السياسة في نسختها المحلية لا تخلو من الطرافة، فقد تحوّل التصريح سريعاً إلى مادة دسمة للسخرية:
هل سيبدأ الحزب بحذف الفقراء من لوائح الناخبين؟
أم سيُعاد تعريف الفقر ليصبح مجرد “سوء فهم اقتصادي”؟
أم ربما سيتم القضاء عليه بالطريقة الأسهل: تغيير المصطلحات بدل تغيير الواقع؟
في العمق، تكشف هذه الزلة اللفظية عن مشكلة أعمق: الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع الاجتماعي. فحين يصبح “القضاء على الفقر” مجرد جملة تُقال في المهرجانات، دون سياسات جذرية واضحة، يتحول الطموح إلى نكتة، والإصلاح إلى مادة للتندر.
لكن، دعونا نكون منصفين قليلاً: ربما كان المقصود فعلاً هو بناء مغرب بلا فقر. فكرة جميلة، لا خلاف عليها. غير أن الطريق إليها لا يمر عبر التصريحات، بل عبر قرارات صعبة، وسياسات جريئة، وربما أيضاً عبر تقليص الهوة بين من يقرر ومن يعيش تبعات تلك القرارات.
إلى ذلك الحين، سيبقى السؤال معلقاً في المقاهي ووسائل التواصل:
هل سيقضي الأحرار على الفقر… أم أن الفقر هو الذي سيقضي على شعبيتهم؟
وفي انتظار الجواب، يبدو أن الفقراء – على الأقل في الوقت الراهن – ما زالوا موجودين… وربما أكثر من أي وقت مضى، ليس فقط كواقع اجتماعي، بل أيضاً كعنصر أساسي في مفارقات السياسة المغربية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى