أصدرت المحكمة الابتدائية بمدينة العرائش حكمًا يقضي بإدانة، أحد أعضاء فرع حزب الاستقلال بجماعة بني عروس، بالسجن شهرين موقوفي التنفيذ، مع أداء غرامة مالية، على خلفية قضية اعتداء جسدي طالت مستشارة جماعية وزوجها، في واقعة أثارت جدلًا واسعًا داخل الرأي العام المحلي.
هذه القضية، بغضّ النظر عن تفاصيلها القضائية، تفتح من جديد النقاش حول سلوك بعض الفاعلين السياسيين خارج فضاءات الخطاب الرسمي، وتطرح سؤالًا جوهريًا: هل ما يزال منطق القوة حاضرًا داخل بعض الممارسات الحزبية، رغم ما ترفعه الأحزاب من شعارات حول الديمقراطية واحترام القانون؟
إن الأحزاب السياسية، بحكم دورها في تأطير المواطنين وتكوين النخب، يُفترض أن تكون نموذجًا في احترام القانون وقيم الحوار. غير أن بعض الوقائع، كما هو الحال في هذه القضية، تعكس أحيانًا مفارقة صادمة بين الخطاب والممارسة، حيث يتحول الصراع السياسي إلى سلوك خارج الأطر المؤسساتية.
في هذا السياق، لا يتعلق الأمر فقط بشخص أو واقعة معزولة، بل بإشكال أعمق يرتبط بثقافة سياسية ما تزال، في بعض الأحيان، تخلط بين العمل الحزبي ومنطق النفوذ، وبين الاختلاف السياسي ومنطق التهديد أو العنف. وهو ما يطرح علامات استفهام حول آليات تأطير ومساءلة بعض المنتمين داخل الأحزاب.
إن مسؤولية الأحزاب هنا لا تتوقف عند حدود التنديد أو التبرؤ من الأفعال الفردية، بل تمتد إلى ضرورة تفعيل آليات داخلية صارمة تضمن عدم انزلاق منتسبيها نحو سلوكيات تمس بسلامة الأفراد وكرامتهم، خاصة عندما يتعلق الأمر بمسؤولين يفترض فيهم أن يكونوا واجهة تنظيمية وأخلاقية.
كما تطرح هذه الواقعة إشكالًا آخر مرتبطًا بصورة العمل السياسي لدى المواطنين، حيث قد تؤدي مثل هذه الحوادث إلى تعزيز فقدان الثقة في الفاعل الحزبي، وتغذية القناعة بأن السياسة قد تتحول في بعض الحالات إلى مجال لتصفية الحسابات بدل خدمة الصالح العام.
وفي المقابل، تبقى المؤسسات القضائية مطالبة بأداء دورها في ترسيخ مبدأ سيادة القانون، باعتباره الضامن الوحيد لحماية الحقوق وردع أي سلوك خارج عن الإطار القانوني، بغض النظر عن موقع أو صفة مرتكبه.
إن ما حدث في بني عروس ليس مجرد ملف قضائي عابر، بل ناقوس إنذار يعيد طرح سؤال أعمق حول طبيعة الممارسة السياسية، وحدود التزام الفاعلين الحزبيين بقيم الدولة والقانون.
فهل تتجه الأحزاب نحو ترسيخ ثقافة المؤسسات… أم أن بعض ممارسات الماضي ما زالت تجد طريقها إلى الحاضر بثوب جديد؟
حين يطرق منطق القوة أبواب السياسة… هل ما يزال حاضرا داخل الأحزاب؟

