حين يخطئ التشخيص… وتخسر الثقة في “الخدمة الصحية”
في المغرب، لم تعد بعض الأخطاء الطبية تحتاج إلى كثير من الدراما لتتحول إلى قضايا قضائية؛ يكفي فقط أن يخطئ التشخيص قليلاً، حتى تفتح العدالة بابها، وتغلق المصحة باب “الاطمئنان السريع” الذي يُباع للمريض عند الاستقبال.
القضية الأخيرة التي فصلت فيها المحكمة الابتدائية بمراكش، بإلزام مصحة خاصة بأداء تعويض لفائدة مريضة تعرضت لتشخيص خاطئ خطير، ليست مجرد ملف طبي عادي. هي مرآة صغيرة تعكس سؤالاً كبيراً: ماذا يحدث حين يصبح الفرق بين “التهاب مرارة” و”ملاريا منجلية” مجرد تفصيل في دفتر الفحوصات؟
المريضة دخلت المصحة وهي تعاني من آلام حادة وحرارة مرتفعة، وخرج التشخيص سريعاً وواثقاً: “استئصال المرارة”. حل جراحي جاهز، سريع، واضح، وربما… مربح. لكن “الشك” – ذلك العنصر الذي يبدو أنه أكثر ندرة من بعض الفحوصات – قادها إلى رأي طبي ثانٍ، ليكشف أن الأمر يتعلق بداء الملاريا المنجلية، أي أن الخلل لم يكن في عضو يحتاج إلى استئصال، بل في مرض يحتاج إلى إنعاش عاجل.
وهنا تبدأ المفارقة المغربية الجميلة/المؤلمة: أحياناً، حياة المريض لا تُنقذها البروتوكولات الطبية، بل “الوسوسة” الشخصية.
الملف الذي نظرت فيه المحكمة كشف ما هو أخطر من مجرد خطأ فردي: غياب فحوصات أساسية، تجاهل للتاريخ الصحي، وعدم أخذ السفر والتنقل بعين الاعتبار. باختصار، طب سريع يشبه وجبة مستعجلة… لكن بنتائج لا تشبه “الوجبة” أبداً.
المحكمة اعتبرت أن المصحة تتحمل المسؤولية، وحكمت بتعويض قدره 500 ألف درهم. مبلغ يبدو في الظاهر كبيراً، لكنه في ميزان الثقة الصحية قد لا يساوي حتى كلفة الطمأنينة التي فقدتها المريضة بين تشخيصين متناقضين.
المفارقة هنا ليست في الحكم، بل في النموذج نفسه. المصحات الخاصة في المغرب أصبحت بالنسبة لكثيرين مساحة بين الأمل والخوف: أمل في خدمة أسرع من المستشفى العمومي، وخوف من أن تكون السرعة على حساب الدقة. وبين الاثنين، تتسع مساحة رمادية اسمها “الله يستر”.
في هذا السياق، يتحول المريض إلى ما يشبه “زبوناً في تجربة تشخيصية”، حيث قد يتغير مصيره حسب قراءة أولية، أو ضغط وقت، أو نقص في التحاليل، أو ربما… ثقة زائدة في جهاز لا يُخطئ.
وإذا كان من السهل اليوم تحميل المسؤولية لمؤسسة بعينها، فإن السؤال الأعمق يبقى: هل المشكلة في الخطأ الفردي، أم في منظومة طبية كاملة تُضغط فيها السرعة أكثر من الدقة، والكلفة أكثر من التحقق، والإجراءات المختصرة أكثر من السؤال الإنساني البسيط: ماذا لو كنا مخطئين؟
في النهاية، لا أحد يطلب طباً مثالياً، لكن الجميع يطلب طباً لا يخلط بين عضو يُستأصل ومرض يُعالج في العناية المركزة. وبين هذا وذاك، يبقى المواطن المغربي في وضع دقيق: إما أن يثق كثيراً فيخسر كثيراً، أو يشك كثيراً فيتعب كثيراً.
أما العدالة، فقد قالت كلمتها هذه المرة. لكن السؤال الذي يبقى معلقاً خارج قاعة المحكمة: كم من “تشخيص خاطئ” لم يصل بعد إلى قاضٍ، لكنه وصل بالفعل إلى حياة أشخاص آخرين؟




