Site icon جريدة صفرو بريس

حين تُعاد هندسة سعر الغاز… بين دفء القارورة وبرودة الأرقام


في هدوءٍ تشريعي لا يشبه ضجيج القارورات في الأزقة الشعبية، خرج إلى الواجهة قرار وزاري جديد أعاد ترتيب “هندسة” تسعير غاز البوتان بالمغرب، واضعاً لمساته الأخيرة على سلسلة طويلة تبدأ من المستودعات الكبرى ولا تنتهي عند يد البائع الصغير في الحي.
القرار، الذي جاء ليعدّل ويُتمم مقتضيات نص سابق يعود إلى سنة 2016، يبدو في ظاهره تحديثاً تقنياً لمنظومة اقتصادية عمرها قرابة عقد من الزمن، لكنه في عمقه يعيد فتح ملف قديم جديد: كيف يُوزَّع هامش الربح داخل سوق مادة لا تغيب عن أي بيت مغربي؟
الأرقام التي حملها النص الجديد ليست مجرد تفاصيل محاسباتية باردة، بل هي خرائط دقيقة لتوزيع “الحرارة الاقتصادية” داخل القطاع. فشركات التوزيع الكبرى حصلت على سقوف جديدة لهوامشها، تختلف حسب حجم القنينة، كما لو أن وزن الغاز لم يعد يقاس بالكيلوغرام فقط، بل أيضاً بدرجة موقعه داخل سلسلة القيمة.
المستودعات والوسطاء بدورهم لم يخرجوا من المعادلة بلا حساب، إذ أعيد ضبط هوامشهم وفق منطق التدرج والحجم، في محاولة واضحة لإعادة رسم توازنات ظلّت لسنوات طويلة تتداخل فيها المصالح أكثر مما تتقاطع فيها المعايير.
أما الحلقة الأخيرة، تلك التي تلتصق مباشرة بالمستهلك، أي الباعة بالتقسيط، فقد خُصص لها هامش يوصف بأنه “صافي الربح النهائي”، لكنه في الواقع ليس سوى المساحة المتبقية بعد أن تمر القنينة عبر طبقات متعددة من التثبيت والتعديل والتوزيع.
ورغم أن الخطاب الرسمي يضع هذا التعديل في إطار “تنظيم السوق وضمان استقرار التموين”، إلا أن القراءة الباردة للأرقام تكشف شيئاً آخر: الدولة لا تغيّر فقط نسباً مالية، بل تعيد توزيع أدوار داخل شبكة اقتصادية دقيقة، حيث كل درهم محسوب، وكل مرحلة لها وزنها السياسي قبل الاقتصادي.
في النهاية، قد لا يلاحظ المواطن العادي هذا التعديل في تفاصيل يومه، فهو لا يرى القرار الوزاري، بل يرى القنينة وهي تُرفع أو تُنقل أو تُستبدل. لكن خلف هذا المشهد البسيط، هناك معادلة كاملة تُعاد كتابتها بصمت، بين من يملكون مفاتيح السلسلة، ومن يكتفون بحمل نهايتها الثقيلة نحو مطبخ صغير لا يعرف لغة الجريدة الرسمية.

Exit mobile version