أثار إعلان تحالف اليسار تعرض عدد من قياداته ومرشحيه للتشطيب من اللوائح الانتخابية جدلا سياسيا وقانونيا يتجاوز حدود الخلاف الحزبي، لأنه يلامس إحدى الركائز الأساسية لأي عملية انتخابية: الشفافية.
فالوقائع المتداولة تشير إلى حصول التشطيب، وإلى احتجاج تحالف اليسار عليه، بينما يغيب إلى حدود الساعة أي تفسير رسمي يوضح الأساس القانوني الذي بُنيت عليه هذه القرارات. وهذا الغياب ليس تفصيلا بسيطا، لأن الإدارة في دولة القانون مطالبة بأن تكون قراراتها واضحة وقابلة للفهم والطعن، خاصة عندما يتعلق الأمر بحقوق سياسية ودستورية.
في مثل هذه الحالات، لا يمكن مطالبة المتضررين بالصمت أو بحسن الظن فقط. فمن الطبيعي أن يقرأ الحزب الذي مسته هذه الإجراءات القرار باعتباره تضييقا سياسيا، خصوصا إذا تزامن مع اقتراب الانتخابات وشمل مسؤولين ومرشحين بارزين. وقد يكون هذا الاستنتاج صحيحا، وقد لا يكون، لكن المسؤول الأول عن إزالة هذا الغموض هو الجهة التي اتخذت القرار.
إن الثقة في الانتخابات لا تُبنى بالشعارات، بل بالوضوح. وكلما غابت المبررات الرسمية، اتسعت دائرة التأويل، وتحولت الأسئلة إلى اتهامات، وأصبحت المؤسسات نفسها أمام أزمة ثقة كان بالإمكان تجنبها بتعليل بسيط وواضح.
وفي المقابل، فإن من مصلحة جميع الأطراف، بما فيها الدولة، أن تُحسم مثل هذه القضايا في إطار القانون، وأن تُمنح للمتضررين كل وسائل الطعن والدفاع عن حقوقهم، لأن الانتخابات ليست مجرد تنافس بين الأحزاب، بل هي اختبار لمصداقية المؤسسات أمام المواطنين.
إن الديمقراطية لا تتضرر من الاحتجاج، وإنما تتضرر من الغموض. وعندما تغيب المعلومة، يحضر الشك. وعندما لا تشرح الإدارة قراراتها، فإنها تترك المجال مفتوحا لكل التأويلات، سواء كانت صحيحة أم خاطئة.
لذلك، فإن المطلوب اليوم ليس مطالبة الأحزاب بالكف عن الاحتجاج، ولا مطالبة الرأي العام بتبني رواية دون أخرى، وإنما مطالبة الجهات المختصة بتقديم التفسير القانوني الكامل لهذه التشطيبات. فإذا كانت مؤسسة على القانون، فإن نشر أسبابها سيعزز الثقة في العملية الانتخابية. أما إذا ثبت العكس، فإن تصحيح الوضع يصبح واجبا لحماية نزاهة الاستحقاقات.
فالشفافية ليست امتيازا تمنحه الدولة للأحزاب، بل هي واجب دستوري وأخلاقي يحمي الجميع، ويضمن أن تبقى المنافسة السياسية قائمة على الثقة في القانون، لا على الشك في النوايا.

