في ملف الهجرة، تبدو المفارقة الإسبانية أكثر وضوحا من أي وقت مضى، فمدريد تتحدث باستمرار عن ضرورة إعادة المهاجرين الذين يدخلون أراضيها بشكل غير نظامي، وتدافع عن تشديد مراقبة الحدود ومحاربة الهجرة غير النظامية، بل إن النقاش الأوروبي نفسه وصل إلى إمكانية إعادة القاصرين غير المصحوبين إلى بلدانهم، مع احترام الضمانات القانونية ومصلحة الطفل، لكن عندما يتعلق الأمر بالقاصرين الذين وصلوا إلى سبتة، يبدو أن القاعدة تأخذ اتجاها مختلفا، فإسبانيا لم تعد تتحدث فقط عن إعادتهم، بل تستعد لنقل نحو 500 قاصرة إلى شبه الجزيرة الإيبيرية، في وقت ما تزال فيه أعداد كبيرة من القاصرين الذكور داخل منظومة الحماية الإسبانية، وهنا يصبح السؤال مشروعا: إذا كانت مدريد تريد إعادة المهاجرين، فلماذا لا يشمل ذلك القاصرين أيضا؟
لا أحد يمكنه أن يعترض على حماية الطفل، ولا يمكن لعاقل أن يدعو إلى ترك قاصر في الشارع أو تعريضه للخطر، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول عبارة “مصلحة الطفل الفضلى” إلى جواب جاهز على كل الأسئلة، من دون أن يطرح أحد السؤال الأهم: أين توجد هذه المصلحة فعلا؟ هل هي بالضرورة في إسبانيا؟ أم يمكن أن تكون في عودة الطفل إلى أسرته وبلده، إذا توفرت شروط السلامة والرعاية والضمانات القانونية؟ فإذا كان المغرب مستعدا لاستقبال القاصرين المغاربة، فلماذا تصبح الحماية مرادفا تلقائيا لبقائهم داخل إسبانيا؟
والأكثر إثارة للتساؤل أن الأمر لم يعد يتعلق بالقاصرات وحدهن، فالقاصرون الذكور أيضا لم تعد مدريد تتعامل معهم بالمنطق نفسه الذي تتحدث به عن إعادة المهاجرين البالغين، بل أصبحوا جزءا من منظومة حماية اجتماعية وتعليمية تستمر إلى حين بلوغهم سن الرشد، وهو ما يعني أن القاصر الذي يدخل إسبانيا اليوم قد يتحول بعد سنوات قليلة إلى شاب يعيش ويدرس ويعمل داخل المجتمع الإسباني، وبذلك لا يعود الأمر مجرد معالجة مؤقتة لأزمة حدودية، وإنما يصبح مسارا قد ينتهي بإدماج جيل جديد داخل المجتمع الأوروبي.
وهنا لا بد من وضع المسألة في سياقها الديموغرافي، فأوروبا ليست القارة الشابة التي كانت عليها قبل عقود، بل تواجه شيخوخة سكانية متزايدة ونقصا في اليد العاملة في عدد من القطاعات، وتحتاج إلى الشباب للحفاظ على سوق العمل وتمويل أنظمة التقاعد والرعاية الاجتماعية، وإسبانيا ليست استثناء من هذه المعادلة، ولذلك يصبح من المشروع أن نتساءل، من دون الوقوع في نظريات المؤامرة، عما إذا كانت حماية القاصرين المهاجرين تحقق في الوقت نفسه مصلحة إنسانية ومصلحة ديموغرافية واقتصادية لإسبانيا.
فالطفل الذي يصل اليوم إلى سبتة لن يبقى طفلا إلى الأبد، وبعد سنوات قليلة سيصبح شابا في سن العمل، وقد يكون قد تعلم اللغة الإسبانية، وتلقى تعليمه داخل المؤسسات الإسبانية، وتعرف على المجتمع وقوانينه وثقافته، وأصبح أكثر قدرة على الاندماج في سوق العمل من مهاجر يصل إلى أوروبا في سن متقدمة. ومن هذه الزاوية، فإن الاحتفاظ بالقاصرين ليس مجرد قرار اجتماعي مؤقت، بل يمكن أن تكون له نتائج ديموغرافية واقتصادية طويلة الأمد، حتى لو لم يكن هذا هو الدافع المعلن وراء السياسة الإسبانية.
وهنا تكمن المفارقة: عندما يكون المغربي بالغا، يصبح في نظر الخطاب الرسمي مهاجرا غير نظامي يجب إعادته، وعندما يكون قاصرا، يتحول إلى طفل يجب حمايته وإيواؤه وتعليمه وإدماجه. قد يكون الفرق قانونيا ومبررا من الناحية الإنسانية، لكن ألا يستحق هذا التناقض نقاشا حقيقيا حول طبيعة السياسة الأوروبية في التعامل مع الهجرة؟ لماذا يكون عمر الإنسان عاملا حاسما في تحديد ما إذا كان وجوده داخل أوروبا مشكلة يجب حلها أم فرصة يجب احتضانها؟
ثم إن الحديث عن حماية الطفل يجب ألا يكون انتقائيا، لأن الطفل المغربي ليس ملكا لإسبانيا ولا للاتحاد الأوروبي، بل هو إنسان له أسرة وبلد ومجتمع، وإذا كانت أسرته موجودة وقادرة على رعايته، فإن لم شمله بها يجب أن يكون من الخيارات الأساسية، وليس مجرد احتمال ثانوي أمام بقائه داخل أوروبا. أما أن يتم اختزال “مصلحة الطفل” في نقله من سبتة إلى شبه الجزيرة، فهذا يطرح سؤالا حقيقيا حول ما إذا كانت الحماية هي الغاية أم أن بقاء القاصر داخل النظام الإسباني أصبح هو النتيجة التي يتم البحث عن تبرير قانوني وإنساني لها.
والسؤال الأكثر إحراجا هو: لماذا لا تبدأ حماية هؤلاء الأطفال من الأسباب التي دفعتهم إلى الهجرة أصلا؟ لماذا يصل طفل مغربي إلى حدود سبتة وهو يعتقد أن مستقبله يوجد في أوروبا؟ لماذا لا تكون هناك شراكة حقيقية مع المغرب لتحسين ظروف الأطفال والشباب، ودعم التعليم والتكوين وفرص العمل، بدل انتظارهم عند الحدود ثم تحويلهم إلى ملفات اجتماعية بعد نجاحهم في العبور؟
إن حماية الطفل لا ينبغي أن تبدأ عند السياج الحدودي وتنتهي داخل مراكز الإيواء الإسبانية، بل يجب أن تبدأ قبل ذلك بكثير، من الحق في التعليم، والرعاية، والأمان، والأسرة، والمستقبل. وإذا كان القاصر يستطيع أن يجد كل ذلك في بلده وبين أسرته، فإن إعادته إليها بعد التأكد من سلامته ليست عقوبة، كما أن إبقاءه في أوروبا ليس بالضرورة حماية مطلقة.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أن أوروبا تحتاج إلى الشباب، وأنها تدرك أن مستقبلها الديموغرافي سيكون أكثر صعوبة إذا استمرت معدلات الشيخوخة وانخفضت نسبة السكان في سن العمل. لذلك فإن القاصرين المهاجرين يمثلون، سواء اعترفت الحكومات بذلك أم لا، فئة بشرية شابة يمكن أن تصبح جزءا من القوة العاملة الأوروبية مستقبلا. وهذا لا يعني أن إسبانيا تستقبل الأطفال من أجل استغلالهم، ولا أن كل قرار إنساني تحكمه حسابات اقتصادية، لكنه يعني أن السياسة يجب أن تقرأ أيضا في ضوء الواقع الديموغرافي الذي تعيشه أوروبا.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس هل يجب حماية هؤلاء القاصرين، فالجواب واضح: نعم، يجب حمايتهم، بل يجب حمايتهم بأعلى المعايير، وإنما السؤال هو: لماذا تكون الحماية في جميع الحالات تقريبا مرتبطة ببقائهم داخل أوروبا، ولماذا لا تكون عودتهم الآمنة إلى أسرهم وبلدهم جزءا من مفهوم الحماية إذا كانت ظروفهم تسمح بذلك؟
إسبانيا لا تستطيع أن تقول للمهاجرين البالغين إن الحدود مغلقة وإن العودة هي الحل، ثم تتعامل مع القاصرين بمنطق مختلف تماما من دون أن تقدم تفسيرا مقنعا لهذا التباين. وإذا كانت المسألة قانونية، فلتشرح مدريد القانون بوضوح، وإذا كانت إنسانية، فلتطبق المعايير الإنسانية على الجميع، وإذا كانت ديموغرافية واقتصادية، فلتكن صريحة مع شعوبها ومع البلدان التي يأتي منها هؤلاء الشباب.
أما أن يقال لنا إن الأمر يتعلق فقط بالحماية، بينما أوروبا تعاني في الوقت نفسه من الشيخوخة وتبحث عن اليد العاملة وتحتاج إلى أجيال شابة، فهذا يجعل الشك مشروعا، لا لأن حماية الأطفال أمر مرفوض، وإنما لأن الإنسان يمكن أن يتحول بسهولة، في حسابات الدول، من “قاصر يحتاج إلى الحماية” إلى “شاب تحتاج إليه سوق العمل”.
وفي النهاية، هؤلاء القاصرون سيكبرون، وهذه هي الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها. الفتاة التي تنقل اليوم من سبتة إلى شبه الجزيرة ستصبح غدا شابة، والفتى الذي يعيش اليوم في منظومة الحماية الإسبانية سيصبح غدا رجلا في سن العمل. وحينها لن يكون السؤال أين وجدوا الحماية فقط، بل أين أصبحوا جزءا من المجتمع، ومن سوق العمل، ومن مستقبل الدولة التي احتضنتهم.
لذلك فإن من حقنا أن نسأل مدريد بكل وضوح: هل ما يحدث هو حماية مؤقتة لأطفال وجدوا أنفسهم وسط أزمة هجرة، أم أنه أيضا استثمار غير معلن في جيل شاب تحتاجه أوروبا التي تتقدم في العمر؟
قد تكون الإجابة الرسمية هي الحماية، وقد تكون دوافع القرار أكثر تعقيدا، لكن المؤكد أن أوروبا لا تنظر إلى الشباب بالطريقة نفسها التي تنظر بها إلى الشيخوخة، وأن القاصر الذي تعتني به اليوم قد يصبح غدا جزءا من القوة التي تحتاج إليها للحفاظ على اقتصادها ومجتمعها. ولهذا فإن حماية القاصرين شيء، وتحويل هذه الحماية إلى سياسة هجرة دائمة شيء آخر، وبين الاثنين توجد منطقة رمادية تستحق أن يطرح فيها السؤال بصوت عال: هل تحمي أوروبا هؤلاء الأطفال فقط لأنهم أطفال، أم لأنها تعرف أيضا قيمة هؤلاء الأطفال عندما يكبرون؟

