المغرب

حين تتحول الاستباقية إلى عقيدة أمنية: المغرب في قلب الحرب الدولية على الإرهاب


في تحقيق مطول نشرته مجلة VSD الفرنسية في عددها 2218، اختارت المجلة أن تضع المغرب في واجهة المشهد الدولي لمكافحة الإرهاب العابر للحدود، معتبرة أن المملكة لم تعد مجرد ساحة محتملة للاستهداف، بل تحولت إلى فاعل أمني محوري داخل منظومة دولية معقدة تواجه أحد أخطر التهديدات المعاصرة.
التحقيق، الذي استند إلى معطيات دقيقة وشهادات ميدانية، يرصد التحول العميق الذي شهدته المنظومة الأمنية المغربية خلال السنوات الأخيرة، خصوصًا على مستوى العمل الاستخباراتي، حيث انتقل من منطق التدخل اللاحق إلى استراتيجية استباقية قائمة على الرصد المبكر والتفكيك الوقائي للخلايا المتطرفة.
وسلطت المجلة الضوء على الدور المتقدم الذي تضطلع به المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، واصفة إياها بجهاز عالي الاحترافية، استطاع بفضل تراكم الخبرة وتحديث آليات العمل أن يفرض نفسه كشريك موثوق في ملفات أمنية تتجاوز الحدود الوطنية. ووفق التحقيق، فإن تفكيك أكثر من مائة خلية إرهابية خلال العقد الأخير يعكس نجاعة هذا التحول، لا سيما أن عدداً كبيراً من هذه الخلايا كان على ارتباط مباشر بتنظيم “داعش” وشبكاته المنتشرة في الساحل الإفريقي وليبيا والفضاء الأورومتوسطي.
وفي السياق نفسه، توقف التقرير عند الدور العملياتي للمكتب المركزي للأبحاث القضائية، باعتباره الذراع التنفيذية التي تتولى تفكيك التهديدات على الأرض، مشيراً إلى أن سرعة تدخلاته ودقة توقيتها جنبت المغرب مخاطر هجمات كانت في مراحل متقدمة من الإعداد.
كما أولت VSD أهمية خاصة للتطور الذي عرفته الشرطة العلمية والتقنية المغربية، مبرزة أن مختبراً مغربياً بات يحتل موقعاً متقدماً داخل مجموعات العمل التابعة للإنتربول، بفضل اعتماده الدولي وتجهيزه المتطور في مجالات تحليل الحمض النووي، وفحص المتفجرات، وتتبع الأدلة الرقمية، ما جعل من المغرب فاعلاً أساسياً في التحقيقات الأمنية العابرة للحدود.
ولم يفصل التحقيق بين البعد الأمني والإطار الاستراتيجي الأشمل، حيث اعتبر أن المقاربة المغربية لمكافحة الإرهاب تتم ضمن رؤية شمولية، بتوجيه مباشر من الملك محمد السادس، تقوم على الجمع بين الصرامة الأمنية ومحاربة جذور التطرف، من خلال إصلاح الحقل الديني، وبرامج إعادة الإدماج، وتجفيف منابع التمويل والتجنيد.
وأكدت المجلة أن التعاون الدولي يشكل أحد أعمدة هذه الاستراتيجية، إذ أضحت الأجهزة المغربية شريكًا رئيسيًا لعدد من الدول الأوروبية والأمريكية في تبادل المعلومات الحساسة، وهو تعاون أسفر، بحسب التقرير، عن إحباط مخططات إرهابية خارج التراب المغربي في أكثر من مناسبة.
ويخلص تحقيق VSD إلى أن المغرب فرض نفسه اليوم كواجهة متقدمة في الحرب الدولية على الإرهاب، خصوصًا في منطقة شمال إفريقيا والساحل، مستندًا إلى نموذج أمني مرن وقابل للتكيف مع طبيعة تهديد متغير ومعقد. وهو توصيف يعكس اعترافًا متزايدًا بفعالية الاختيارات الأمنية المغربية، التي لم تُبنَ على الخطاب، بل على النتائج الملموسة والشراكات الميدانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى