في كل موسم انتخابي يظهر نوع غريب من “الحولي” لا يوجد في الأسواق الأسبوعية ولا في ضيعات تربية الماشية. إنه “حولي الانتخابات”، ذلك المواطن الذي يبيع صوته مقابل ورقة نقدية، أو وعد عابر، أو قفة موسمية، ثم ينتظر بعد ذلك أن تتحول الجماعة إلى جنة فوق الأرض.
الفرق الوحيد أن حولي عيد الأضحى قد يتجاوز ثمنه خمسة آلاف درهم، بينما حولي الانتخابات لا يتجاوز في بعض الأحيان مئتي درهم، وربما أقل حسب العرض والطلب وقوة المنافسة بين السماسرة.
تخيلوا المفارقة!
الكبش الحقيقي يحتاج أشهراً من العناية والتغذية حتى يصل إلى السوق، أما حولي الانتخابات فيكفي أن يقترب موعد الاقتراع حتى يبدأ في تحديد سعر نفسه بنفسه، وكأنه يعلن تخفيضات استثنائية على كرامته السياسية.
المواطن الذي يقضي ساعات طويلة في فحص أسنان الخروف وعينيه ووزنه وسلالته، لا يكلف نفسه أحياناً خمس دقائق لفحص تاريخ المرشح وسجله وبرنامجه. مع الخروف يصبح خبيراً اقتصادياً وطبيباً بيطرياً ومفتش جودة، أما مع الانتخابات فيتحول فجأة إلى زبون مستعجل يريد إنهاء الصفقة في أسرع وقت.
بعد الانتخابات يبدأ العرض الكوميدي الحقيقي.
حولي الانتخابات الذي قبض مئتي درهم يعود إلى المقهى غاضباً: أين المستشفى؟ أين الشغل؟ أين التنمية؟ أين الوعود؟
وكأن الرجل اشترى قصراً فوجد نفسه أمام كوخ مهجور، مع أنه في الحقيقة لم يشتر شيئاً، بل باع كل شيء.
باع صوته، وباع حقه في المحاسبة الأخلاقية، وباع فرصة اختيار الأفضل، ثم استغرب عندما وجد النتيجة على مقاس الصفقة التي عقدها.
السياسي الفاسد لا ينزل من السماء، بل يصنعه أحياناً من يقبل أن يحول الانتخابات إلى سوق للمواشي. والمرشح الذي يشتري الأصوات اليوم يعرف جيداً أنه لن يحكم المواطنين، بل سيستثمر في صفقة يريد استرجاع أرباحها مضاعفة بعد الفوز.
في النهاية، لا خوف على الديمقراطية من السياسي الانتهازي وحده، بل الخوف أيضاً من “حولي الانتخابات” الذي يبيع خمس سنوات كاملة بثمن وجبة عائلية أو خزان وقود أو ورقتين نقديتين سرعان ما تختفيان.
أما المفارقة الكبرى فهي أن حولي عيد الأضحى يُذبح مرة واحدة وينتهي الأمر، بينما حولي الانتخابات يظل يذبح نفسه ومصالحه ومستقبل أبنائه كل خمس سنوات… ثم يطالب الجميع بالتصفيق لحكمته السياسية.
لهذا، ربما حان الوقت لإضافة صنف جديد إلى أسواق المواشي في المغرب:
حولي العيد: أكثر من 5000 درهم.
حولي الانتخابات: 200 درهم فقط… مع قابلية كبيرة للتكرار كل خمس سنوات.

