حموشي في مراكش.. دبلوماسية امنية مكثفة تعيد رسم ملامح الشراكات الدولية للمغرب

تحولت الدورة الثالثة والتسعون للجمعية العامة للأنتربول بمدينة مراكش الى منصة غير مسبوقة للدبلوماسية الامنية المغربية، بعد ان قاد المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني، عبد اللطيف حموشي، واحدا من اكثر الاسابيع ازدحاما باللقاءات والمشاورات الثنائية والمتعددة الاطراف. ثلاثة واربعون اجتماعا في ظرف ايام قليلة، مع وفود من قارات العالم الخمس، وضعت المغرب في صدارة الاهتمام، وكرست حضوره باعتباره فاعلا مركزيا في الامن الدولي ومكافحة الجريمة المنظمة.
منذ افتتاح اشغال الجمعية، برز حرص عدد من الدول والمنظمات على طلب عقد لقاءات مع المسؤول الامني المغربي، في اشارة واضحة الى الثقة التي يحظى بها النموذج الامني الوطني، وقدرته على تقديم الخبرة والدعم في مجالات متعددة، من مكافحة الجريمة السيبرانية الى حفظ النظام والتعاون العملياتي. حجم اللقاءات وحده يعكس درجة الطلب الدولي على بناء شراكات مع الامن المغربي، لكن مضمون هذه اللقاءات يكشف توجها جديدا اكثر عمقا: المغرب لم يعد مجرد طرف متعاون، بل اصبح شريكا منتجا في صياغة السياسات الامنية العابرة للحدود.
داخل اروقة المؤتمر، توزعت اللقاءات بين دول اوروبية كبرى وبلدان في شرق القارة وشمالها، مرورا بدول افريقية تضع امنها الداخلي في مقدمة التحديات، وصولا الى امريكا اللاتينية وآسيا. وفي كل محطة، برزت رغبة واضحة لدى العديد من الدول في الاستفادة من تجربة المغرب، سواء في مجال التعاون العملياتي، او في ما يتعلق بالدعم التقني وتبادل المعلومات. النموذج الامني المغربي، المبني على اليقظة الاستراتيجية والتكنولوجيا الحديثة والتنسيق المؤسساتي، بات اليوم مرجعا تطلبه الدول التي تبحث عن حلول عملية وناجعة.
الى جانب اللقاءات البينية، كان للحوار مع المنظمات الدولية حضوره البارز. فقد انفتح المغرب على تعاون اوسع مع مؤسسات اممية واقليمية، بينها جهاز الشرطة التابع للأمم المتحدة ومجلس وزراء الداخلية العرب، وجامعة نايف للعلوم الامنية، وصولا الى المنتدى الاقتصادي العالمي. هذه اللقاءات جسدت توجها متزايدا نحو ادماج المغرب في الفضاء العالمي للأمن السيبراني وعمليات حفظ السلام، وتعزيز دوره في تكوين الكفاءات الامنية اقليميا ودوليا.
اما المحطة اللافتة، فكانت توقيع مذكرتي تفاهم مع كل من الشرطة الوطنية النرويجية والشرطة الفيدرالية الاثيوبية. الاولى ترسخ تعاونا متقدما مع دولة اوروبية تبحث عن تعزيز قدراتها في مواجهة الجريمة العابرة للحدود، والثانية تجسد امتداد النفوذ الامني المغربي في العمق الافريقي، حيث تتزايد التحديات الامنية وتشتد الحاجة الى بناء قدرات ميدانية واستعلاماتية.
لا يتعلق الامر بمجرد بروتوكول او اجتماعات رسمية، بل بتوجه استراتيجي يوسع مجال تحرك الدبلوماسية الامنية المغربية. فهو يربط الامن الوطني بالرهانات الجيوسياسية، ويمنح المغرب وزنا نوعيا في ملفات دولية حساسة. كما يفتح الباب امام تعاون تقني وعملياتي قد ينعكس ايجابا على امن المنطقة، وعلى قدرة الدول على مواجهة تحديات الجريمة المنظمة والهجرة السرية والارهاب.
اسبوع واحد في مراكش كان كفيلا بإظهار تحول كبير في موقع المغرب داخل خريطة الامن العالمي. حضور قوي، شبكة علاقات متجددة، وشراكات تتوسع في كل اتجاه. انها دبلوماسية امنية هادئة لكن فعالة، تشتغل بذكاء استراتيجي، وتؤكد ان المغرب اليوم ليس فقط بلدا يبحث عن امنه، بل شريكا يصنع الامن ويشاركه مع العالم.




