بقلم: المسكين يوسف
في مقهى عادي، حيث تدار “شؤون العالم” بين فنجان قهوة وآخر، كنت جالسا في ركني المعتاد أراقب الحياة وهي تتصرف كعادتها: بلا استئذان ولا خجل.
على الطاولة المجاورة، جلس ثلاثة أشخاص، من بينهم امرأة يوحي مظهرها و“راحة أعصابها المالية” أنها لا تعاني من أزمة في آخر الشهر، بل من أزمة اختيار: هل تركب السيارة اليوم أم تتركها ترتاح.
المشهد كان هادئا… إلى أن دخلت بطلتان صغيرتان لا تحتاجان إلى تعريف: طفلتان لا يتجاوز عمرهما العشر سنوات، تحملان حلوى رخيصة وتجران معهما ما لا يحمل عادة في هذا السن: اقتصاد كامل من الحاجة.
تقدمتا نحو الطاولة، عرض بسيط، صوت خجول، وسؤال لا يعرف التعقيد: “تشرين الحلوى؟ بعشرة سنتيمات.”
عشرة سنتيمات… رقم لا يهز ميزانية دولة، لكنه يبدو أنه أثار اهتزازا فلسفيا عميقا داخل السيدة. نظرت إليهما وكأنها بصدد اكتشاف عملية تبييض أموال على مستوى رياض الأطفال.
الصفقة فشلت طبعا. ليس لأن الحلوى غير مغرية، بل لأن “الخبث الاقتصادي” – حسب التحليل الفوري – كان واضحا: حلوى تشترى باثنين سنتيم وتعرض بعشرة… يا لها من “مافيا طفولة” منظمة!
الطفلتان انسحبتا بهدوء، وكأنهما تدركان أن السوق الحر لا يرحم حتى إن كان السوق عبارة عن مقهى صغير، وأن الاقتصاد أحيانا يدار من فم طفل، لكن يحاكم من ضمير بارد.
ثم جاءت الجملة الذهبية، الجملة التي تستحق أن تدرس في كتب “تحليل الطبقات الاجتماعية بدون إحساس”:
“حلوة باثنين سنتيم وتريد أن تبيعها لي بعشرة… مطرقات هدو.”
نعم، “مطرقات”. الكلمة هنا ليست مجرد وصف، بل شهادة ميلاد جديدة تمنح لطفلتين: من طفولة إلى “مجرمات اقتصاديات مبتدئات”.
لم يعد الأمر فقرا، ولا حاجة، ولا طفولة في الشارع. لا لا… المسألة ببساطة: محاولة نصب فاشلة داخل مقهى راقٍ، تم إحباطها بفضل يقظة مواطنة لا تخدع بسهولة أمام أخطر تهديد: حلوى.
المفارقة أن العالم كله يعرف هذه الظاهرة: أطفال يبيعون أشياء رمزية في الشوارع والمقاهي، لا لأنهم اكتشفوا “رأسمالية مصغرة”، بل لأن الجوع لا ينتظر الإحصائيات الرسمية، ولأن الكرامة أحيانا تُحمل في علبة مناديل أو قطعة حلوى.
لكن بعض العيون ترى الفقر كأنه “خدعة”، وترى الطفل كأنه “مشروع احتيال صغير”، وترى الحاجة كأنها سوء نية يحتاج فقط إلى فضح.
الأسوأ من رفض شراء الحلوى ليس الرفض نفسه، بل ذلك النوع من الضحك الذي يأتي بعده، ضحك يعلن أن العالم بخير طالما أن الفقراء يمكن السخرية منهم بدل فهمهم.
غادرت الطفلتان المقهى. لم تأخذا صفقة، لكنهما تركتا خلفهما شيئا أثقل: مرآة صغيرة لعالم كامل يبرع في اكتشاف “النصب”، لكنه يفشل دائما في اكتشاف الإنسان.
وفي ركني، أدرت بصري عن الطاولة. ليس احتراما للمشهد… بل لأن بعض الجمل حين تقال بثقة، تكشف أن الفقر ليس فقط في الجيوب، بل أيضا في طريقة النظر إلى من لا جيوب لهم أصلا.

