المغرب

حكومة تصنع الغضب… ثم تتظاهر بالدهشة!

حين يخرج المحامون بالآلاف إلى شوارع الرباط، رافعين شعارات غاضبة في وجه وزير العدل، فذلك ليس حدثاً عابراً يمكن المرور عليه ببلاغ رسمي أو تصريح مقتضب. إنها صورة تختزل واقعاً سياسياً واجتماعياً يتسع فيه منسوب الغضب يوماً بعد يوم، حتى أصبح الاحتجاج اللغة الوحيدة التي يبدو أن هذه الحكومة تفهمها.

المفارقة الصادمة أن الحكومة التي وعدت بالحوار والإصلاح، تحولت في نظر كثيرين إلى حكومة تصنع الأزمات أكثر مما تصنع الحلول. فكلما فتحت ملفاً، أخرجت منه أزمة جديدة، وكلما تحدثت عن الإصلاح، ازداد الاحتقان بين الفئات المهنية والاجتماعية.

اليوم يحتج المحامون، وقبلهم احتج الأساتذة والأطباء وطلبة كليات الطب وفئات أخرى. هذا ليس مجرد تزامن للأحداث، بل نتيجة مباشرة لسياسات تتعامل مع المطالب المشروعة بعقلية فرض الأمر الواقع، وكأن الحوار أصبح مجرد واجهة، بينما تُتخذ القرارات بعيداً عن أصحاب الشأن.

وإذا كان المحامون، بما يملكونه من تنظيم وقوة مهنية، قد قرروا النزول إلى الشارع دفاعاً عن حقوقهم، فماذا عن المواطن البسيط الذي يواجه يومياً غلاءً يلتهم دخله، وبطالة تخنق أحلامه، وخدمات عمومية تتراجع باستمرار؟ ذلك المواطن لا يحتاج إلى خطابات مطولة، بل إلى سياسات تنقذه من واقع أصبح أكثر قسوة من الوعود التي سمعها.

إن أخطر ما يمكن أن تقع فيه أي حكومة هو أن تعتبر كل الأصوات المنتقدة مجرد ضجيج مؤقت. فحين تتحول الاحتجاجات إلى مشهد متكرر في مختلف القطاعات، فإن المشكلة لا تكون في المحتجين، بل في السياسات التي دفعتهم إلى الاحتجاج.

لقد أصبح واضحاً أن فجوة الثقة بين الحكومة والمجتمع تتسع بشكل مقلق. فالإنجازات التي تُسوَّق في التصريحات الرسمية تصطدم يومياً بواقع يعيشه المواطن، حيث الغلاء مستمر، والقدرة الشرائية تتآكل، والاحتقان يتصاعد، بينما يزداد الإحساس بأن صوت الشارع لا يجد آذاناً صاغية.

والتاريخ السياسي يعلمنا أن تجاهل تراكم الغضب ليس دليلاً على القوة، بل وصفة لإنتاج أزمات أكبر. أما الحكمة، فهي في قراءة رسائل الشارع قبل أن تتحول إلى عنوان دائم للمشهد العام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى