بقلم: المسكين يوسف
يبدو أن بعض وزراء حكومة عزيز أخنوش اكتشفوا أخيرا السر الأعظم في التدبير السياسي: لا داعي للحلول ما دام هناك دائما “حكومات سابقة” يمكن تعليق كل شيء عليها، من الهدر المدرسي إلى شغب الملاعب، وربما غدا حتى انقطاع المطر وارتفاع درجات الحرارة.
آخر فصول هذا الكوميديا السياسية جاء على لسان وزير التعليم، الذي قرر أن يفتح النار على حكومات حزب العدالة والتنمية، محملا إياها مسؤولية الهدر المدرسي وشغب الملاعب، في خلطة عجيبة تجعل المتابع يتساءل: هل الوزارة تتحدث عن التعليم أم عن مباراة ديربي انتهت بالعنف؟
الوزير بدا وكأنه يجمع الكلمات بشكل عشوائي ثم يضعها داخل الجملة دون أن يتأكد إن كانت تربطها أي علاقة منطقية. هدر مدرسي، شغب ملاعب، مراحيض، بكالوريا، أجهزة متطورة، مراهقة… كل شيء حاضر، إلا الانسجام.
أما الجملة التي دخلت بسرعة إلى “بورصة الطرائف السياسية” فهي حديثه عن أن “البنيتا ملي توصل المهارقة خاصها تجبر السانتير”. ويبدو أن الوزير كان يريد الحديث عن أهمية توفر المرافق الصحية للفتيات داخل المؤسسات التعليمية، وهي قضية حقيقية ومهمة، لكن الصياغة خرجت بطريقة جعلت المغاربة يدخلون في حيرة: هل نحن أمام خطاب حكومي أم مقطع مرتجل من سيتكوم رمضاني؟
حتى اللغة نفسها بدت وكأنها ضحية من ضحايا المنظومة التعليمية التي يشرف عليها الوزير. فبدل خطاب واضح ودقيق، وجد الرأي العام نفسه أمام تعابير هجينة ومفاهيم متداخلة لا يعرف أحد كيف اجتمعت داخل فقرة واحدة.
ثم جاءت القنبلة الثانية: “استعمال أجهزة متطورة للكشف عن الغش في امتحانات البكالوريا”. وكأن المغرب على أبواب إطلاق قمر صناعي لمحاربة “النقيل”، بينما يعرف الجميع أن أصل الأزمة أعمق بكثير من مجرد أجهزة إلكترونية. فالتعليم الذي يعاني من الاكتظاظ، وضعف البنية التحتية، وخصاص الأطر، وتراجع الثقة، لا يمكن إصلاحه بجهاز يشبه معدات التفتيش في المطارات.
لكن المثير فعلا ليس تصريحات الوزير وحدها، بل العقلية الحكومية التي تقف خلفها. فكلما اصطدمت الحكومة بالواقع، أعادت تشغيل الأسطوانة نفسها: “السبب هو الحكومات السابقة”. حتى أصبح المواطن يتساءل إن كانت هذه الحكومة جاءت للحكم أم جاءت فقط لتقديم شكاية طويلة ضد من سبقها.
مرت سنوات على وصول الحكومة الحالية، ومع ذلك ما زال خطابها وكأنه في أول أسبوع من الحملة الانتخابية. لا حديث عن مسؤولية سياسية، ولا تقييم للقرارات الحالية، فقط تبرير متواصل، وكأن الوزراء يعيشون داخل مؤتمر صحفي دائم عنوانه: “لسنا نحن”.
المغاربة لا ينتظرون من وزير التعليم أن يتحول إلى معلق سياسي يوزع التهم، بل ينتظرون مدرسة تحفظ كرامة التلميذ، وأستاذا مستقرا، ومناهج واضحة، ومؤسسات لا تتحول شتاء إلى برك مائية وصيفا إلى أفران.
أما تحويل كل أزمة إلى فرصة للبحث عن متهم قديم، فهو اعتراف ضمني بأن الحكومة نفسها عاجزة عن تقديم حلول حقيقية. لأن من يملك مشروعا واضحا للمستقبل لا يبقى أسيرا للماضي، ولا يحكم بعقلية “الله غالب لقاوها هكا”.
وفي النهاية، قد يختلف المغاربة حول السياسة، لكنهم يكادون يجمعون اليوم على شيء واحد: إذا استمرت البلاغة الحكومية بهذا المستوى، فقد تحتاج اللغة العربية نفسها إلى برنامج استعجالي للإصلاح.

