Site icon جريدة صفرو بريس

حساب مجهول ولوائح بلا إثبات.. حين يتحول «جبروت» إلى مصنع للتضليل ضد المغرب

لم يعد الأمر مجرد منشور عابر على منصة للتواصل الاجتماعي، ولا مجرد قائمة أسماء مجهولة المصدر يمكن التعامل معها كوثيقة عادية. نحن أمام نموذج صارخ لكيفية صناعة الاتهام في الفضاء الرقمي: حساب مجهول يظهر فجأة، ينشر لوائح وملفات لا يعرف أحد مصدرها، ولا الجهة التي أعدتها، ولا السياق الذي أُخرجت منه، ثم تبدأ ماكينة الترويج في تحويل المجهول إلى معلوم، والادعاء إلى “تسريب”، والتسريب إلى “فضيحة”، والفضيحة إلى “حقيقة” لا تحتاج إلى دليل!

الحساب الذي يحمل اسم «جبروت» يقدم نفسه، بطريقة أو بأخرى، كأنه يمتلك مفاتيح عالم سري لا يعرفه أحد. ينشر أسماء وادعاءات تتعلق بأجهزة أمنية مغربية، لكن السؤال البديهي الذي يبدو أن بعض المتحمسين تجاوزوه عمدا هو: أين الدليل؟

من يقف وراء الحساب؟ لا أحد يعرف. من أين حصل على الوثائق المزعومة؟ لا أحد يعلم. من قام بالتحقق من صحتها؟ لا أحد يقدم جوابا مقنعا. من أكد أن الأسماء الواردة فيها مرتبطة فعلا بما ينسب إليها؟ لا شيء سوى الادعاء نفسه.

ومع ذلك، يكفي أن يظهر الحساب وينشر حتى تبدأ عملية النفخ الإعلامي. تنتقل المادة من منصة إلى أخرى، ثم تدخل بعض وسائل الإعلام على الخط، فتتحول الوثيقة المجهولة إلى “ملف”، والملف إلى “تسريب”، والتسريب إلى “كشف”، ثم يصبح كل من يشكك في الرواية مطالبا بإثبات أن ما نشره الحساب المجهول كاذب!

وهنا تبلغ المفارقة ذروتها: بدلا من أن يكون عبء الإثبات على من يوجه الاتهام، يصبح المطلوب من المتهم أن يثبت براءته من وثيقة لا يعرف أصلا من صنعها!

هذه ليست صحافة استقصائية، بل قلبٌ لمنطق الصحافة رأسا على عقب.

فالصحافة المهنية لا تقول: “لدينا قائمة، إذن هناك حقيقة”. الصحافة تسأل: من أعد القائمة؟ كيف حصل عليها؟ هل تم التحقق منها؟ هل توجد مصادر مستقلة تؤكد مضمونها؟ هل الأسماء الواردة فيها صحيحة؟ وهل الوثائق أصلية أم مجتزأة أم مفبركة أم أعيد تركيبها لخدمة رواية محددة؟

أما أن يُرمى اسم شخص في قائمة مجهولة، ثم يصبح مطالبا بالدفاع عن نفسه أمام جمهور واسع، فذلك ليس بحثا عن الحقيقة، بل محاكمة إعلامية بلا قاض ولا محام ولا حتى ملف قضائي معلوم المصدر.

والأخطر أن بعض وسائل الإعلام تقع في الفخ نفسه: حساب مجهول ينشر، وصحيفة تنقل، وموقع يعيد النشر، وصفحة تقتبس، ثم يعود الجميع إلى هذه التغطيات المتبادلة باعتبارها “مصادر مستقلة”، بينما الحقيقة أن السلسلة كلها قد تكون بدأت من منشور واحد مجهول!

هكذا تصنع غرفة الصدى: المصدر واحد، لكن الأصوات كثيرة؛ والادعاء واحد، لكن عناوين الصحف تمنحه عشرات الوجوه، فيبدو للقارئ أن هناك عشرات الأدلة، بينما لا يوجد في الأصل سوى ادعاء لم يخضع للتحقق الجدي.

وهنا يجب طرح السؤال الأكثر إزعاجا: هل أصبح اسم «جبروت» مصدرا بذاته؟

إذا كان الجواب نعم، فهذه كارثة مهنية. وإذا كان الجواب لا، فلماذا يُمنح حساب مجهول كل هذا الوزن الإعلامي؟ ولماذا يُعاد تدوير محتواه وكأنه وثائق صادرة عن مؤسسة رسمية أو جهة قضائية أو تحقيق مستقل؟

ثم هناك سؤال أكبر: لماذا تتكرر دائما محاولة وضع المؤسسات الأمنية المغربية داخل دائرة الشبهة، حتى عندما تكون المادة الأولية مجهولة المصدر أو غير قابلة للتحقق بشكل مستقل؟

ليس المطلوب منح أي مؤسسة حصانة من النقد، بل العكس تماما. المؤسسات الأمنية، مثل غيرها، يجب أن تخضع للمساءلة عندما توجد وقائع وأدلة تستحق التحقيق. لكن المساءلة شيء، وصناعة الاشتباه شيء آخر؛ والنقد شيء، والتشهير شيء آخر؛ والتحقيق شيء، والترويج لملفات مجهولة شيء آخر تماما.

المشكلة ليست في أن تكون هناك انتقادات للأجهزة الأمنية المغربية. المشكلة في أن تتحول الاتهامات غير المثبتة إلى “حقائق إعلامية” فقط لأن عددا من المنابر قرر تكرارها.

وهنا ينبغي قلب السؤال:

بدلا من أن نسأل فقط: “من هم الأشخاص الموجودون في القائمة؟”، لماذا لا نسأل أولا: من صنع القائمة؟

وبدلا من مطاردة الأسماء الواردة في الوثيقة، لماذا لا تتم مطاردة أصل الوثيقة؟

وبدلا من التركيز على مضمون ملف مجهول، لماذا لا يبدأ التحقيق من الحساب الذي نشره؟

ومن يمول هذا النشاط؟ من يدير الحساب؟ من يمده بالمواد؟ كيف يحصل على المعلومات؟ ما علاقاته؟ ما توقيت نشره؟ وما الجهات التي تستفيد سياسيا أو إعلاميا من انتشار محتواه؟

هذه الأسئلة ليست دفاعا عن أحد، بل دفاع عن أبسط قواعد التفكير النقدي.

فإذا كان هناك من يملك أدلة حقيقية على تورط أشخاص أو مؤسسات في أفعال غير قانونية، فليضع الأدلة على الطاولة. وليكشف مصادره حيثما كان ذلك ممكنا. وليقدم وثائق قابلة للفحص والتحقق. وليسمح للصحافة المهنية والخبراء المستقلين بفحصها.

أما “قال حساب مجهول”، فهذه ليست حجة.

و**”نشرت صحيفة أجنبية”** ليس دليلا.

و**”تناقلته عدة مواقع”** لا يحوله إلى حقيقة.

وتكرار الكذبة عشرين مرة لا يمنحها شهادة ميلاد جديدة.

إن أخطر ما في هذه القصة ليس فقط احتمال عدم صحة بعض ما يتم تداوله، وإنما الطريقة التي يمكن بها تحويل الغموض نفسه إلى سلاح. كلما غابت الأدلة، قيل إن المعلومات “سرية”. وكلما تعذر التحقق، قيل إن طبيعة الأجهزة الأمنية تجعل التحقق مستحيلا. وكلما طالب أحد بالدليل، اتُهم بأنه يريد إسكات الحقيقة.

وهكذا يصبح غياب الدليل دليلا، ويصبح استحالة التحقق قرينة، ويصبح التشكيك في الرواية اتهاما لمن يشكك فيها!

هذه معادلة خطيرة لأنها تقتل أهم قاعدة في العمل الصحافي: لا اتهام بلا دليل.

لذلك، فإن التحقيق الجدي اليوم لا ينبغي أن يتوقف عند الأسماء التي نشرها «جبروت»، بل يجب أن يتجه إلى «جبروت» نفسه.

من هو؟

من يديره؟

من يقف خلفه؟

كيف يحصل على مواده؟

من يتحقق منها؟

ومن يستفيد من الضجيج الذي يصنعه؟

ولماذا تظهر هذه المواد في هذا التوقيت بالذات؟

هذه الأسئلة أهم بكثير من الانجرار وراء قائمة مجهولة المصدر.

فربما تكون القائمة صحيحة جزئيا، وربما تكون خاطئة، وربما تكون خليطا من معلومات حقيقية وأخرى مفبركة، وربما تكون عملية انتقائية هدفها تركيب رواية معينة. وكل هذه الاحتمالات لا يمكن حسمها بالانطباعات ولا بالعناوين المثيرة، وإنما بالتحقيق والأدلة والخبرة التقنية والمصادر المستقلة.

أما أن يتحول حساب مجهول إلى “جهاز استخبارات إعلامي”، وأن تتحول منشوراته إلى وثائق، وأن تتحول إعادة النشر إلى تحقق، فذلك ليس كشفا للحقيقة، بل وصفة مثالية لصناعة التضليل.

وفي النهاية، هناك قاعدة بسيطة لا تحتاج إلى أجهزة سرية ولا ملفات استخباراتية لفهمها:

إذا كانت الرواية قوية، فلتصمد أمام الأسئلة. وإذا كانت الوثيقة حقيقية، فلتصمد أمام التحقق. وإذا كانت الاتهامات صحيحة، فلتقدم الأدلة.

أما أن يُطلب من الجميع تصديق مجهول لأنه يتحدث عن أسرار، فهذه ليست صحافة.

هذه صناعة للغموض، والغموض حين يدخل ماكينة الإعلام قد يصبح أخطر من الكذبة نفسها.

Exit mobile version