لم يعد النقاش حول حزب العدالة والتنمية مجرد نقاش انتخابي عادي، بل تحول إلى سؤال سياسي أعمق: هل ما يزال الحزب يملك مشروعاً سياسياً مستقلاً، أم أنه تحول إلى حزب يعيش على التوفيق المستحيل بين خطاب المعارضة ومتطلبات الدولة؟
فمنذ “البلوكاج” الشهير الذي أنهى فعلياً تجربة عبد الإله بنكيران، دخل الحزب في دوامة سياسية لم يخرج منها إلى اليوم. جاءت حكومة سعد الدين العثماني وهي تحمل شعار “الاستمرارية”، لكنها انتهت وهي تحمل فوق ظهرها أثقل القرارات وأكثرها إحراجاً لقاعدتها: توقيع اتفاق التطبيع مع إسرائيل.
المفارقة أن الحزب الذي ظل لسنوات يرفع شعارات دعم فلسطين ومناهضة الاختراق الصهيوني، وجد أمينه العام يوقع الاتفاق بيد مرتجفة وابتسامة باردة، بينما كانت قواعده تبتلع الصدمة بصعوبة. ومنذ ذلك اليوم، لم يعد السؤال: “هل الحزب مع التطبيع أم ضده؟”، بل أصبح: “هل يملك الحزب أصلاً حق الرفض؟”.
الحزب نفسه حاول تبرير الموقف بالقول إن التطبيع “قرار دولة وليس قرار حزب”، وهي الجملة التي بدت للكثيرين اعترافاً سياسياً صريحاً بحدود السلطة الحقيقية داخل التجربة الحكومية المغربية. لكن هذا التبرير فتح باباً أخطر: إذا كانت القرارات الكبرى تُحسم خارج الأحزاب، فما جدوى كل ذلك الخطاب الانتخابي؟ وما معنى الوعود السياسية إذا كان الحزب يعترف مسبقاً بأنه لا يستطيع تغيير شيء؟
سقوط الحزب المدوي في انتخابات 2021 لم يكن مجرد عقاب انتخابي عابر. كان انفجاراً لغضب شعبي تراكم لسنوات؛ غضب من التنازلات، من الصمت، من التبريرات، ومن التحول التدريجي من حزب “يحارب التحكم” إلى حزب يتعايش معه ويبرره أحياناً باسم “المصلحة الوطنية”.
بعض قيادات المصباح حاولت تفسير السقوط بوجود غضب من وزارة الداخلية أو تدخلات انتخابية، لكن هذا الخطاب بدا محاولة للهروب من النقد الذاتي. فالحقيقة التي لا يريد كثيرون الاعتراف بها هي أن الحزب خسر جزءاً كبيراً من صورته الأخلاقية قبل أن يخسر المقاعد البرلمانية. لقد فقد تلك الهالة التي صنعت شعبيته حين كان يقدم نفسه كحزب “نظيف اليد” و”صاحب مواقف”.
اليوم، ونحن على أبواب انتخابات 2026، يبدو الحزب وكأنه يحاول العودة عبر تصعيد خطابه ضد التطبيع وترشيح شخصيات أكثر حدة في مهاجمة إسرائيل. لكن السؤال المحرج ما يزال قائماً: هل هذا تحول حقيقي أم مجرد محاولة لاستعادة القواعد الغاضبة؟
هل سيجرؤ الحزب، إذا عاد إلى الحكومة، على الاصطدام بالقرارات التي يعتبرها اليوم “فوق إرادته”؟ أم سنعود إلى نفس الأسطوانة القديمة: معارضة بالكلام، وتوقيع بالفعل؟
وهل سيدخل فعلاً في مواجهة مع لوبيات المال والاحتكار التي يهاجمها اليوم في خطاباته؟ أم أن منطق “عفا الله عما سلف” سيعود من جديد بمجرد الاقتراب من كراسي السلطة؟
العدالة والتنمية يعيش اليوم أزمة هوية أكثر من أزمة تنظيم. فهو ممزق بين خطاب دعوي عاطفي يرضي القواعد، وبين براغماتية سياسية تدفعه في كل مرة إلى تقديم التنازلات باسم “الواقعية”. والمشكلة أن المغاربة أصبحوا أكثر قسوة في الحكم على الأحزاب، وأكثر سخرية من التناقضات السياسية.
الانتخابات القادمة لن تكون مجرد منافسة على المقاعد، بل ستكون محاكمة سياسية لذاكرة كاملة. فإما أن يقدم الحزب إجابات واضحة وشجاعة حول حدود السلطة، والتطبيع، والفساد، والعلاقة مع الدولة العميقة، وإما أنه سيظل يدور داخل نفس الحلقة: خطاب ناري في المعارضة… وصمت ثقيل عند الاقتراب من الحكم.
حزب المصباح بين “طاعة الدولة” و”معارضة التطبيع”… هل يعود إلى السلطة أم يعود إلى التبرير؟

