Site icon جريدة صفرو بريس

حزب الأحرار يريد إقناع المغاربة بأن البطالة مجرد سوء تفاهم

حزب الأحرار يريد إقناع المغاربة بأن البطالة مجرد سوء تفاهم

يبدو أن حزب التجمع الوطني للأحرار قرر خوض معركة من نوع خاص: ليس مع البطالة، ولا مع غلاء المعيشة، ولا مع ضعف القدرة الشرائية، وإنما مع المغاربة أنفسهم لإقناعهم بأنهم يعيشون في وهم جماعي اسمه البطالة.

آخر من دخلت على الخط هي اعتماد الزاهيدي، عضوة المجلس الوطني للحزب، التي تحدثت عن توفر فرص الشغل في المغرب، بل وذهبت إلى الحديث عن أجور تصل إلى 400 درهم في اليوم، قبل أن تلمح إلى أن المشكلة ليست في غياب العمل، وإنما في عدم رغبة المغاربة في العمل.

والغريب أن هذه الفكرة لم تولد اليوم، فقد سبق للحسن السعدي، القيادي في الحزب نفسه، أن قدم خطابا مشابها. وهنا بدأ المواطن يتساءل: واش حزب الأحرار حالف حتى يدخل هاد الفكرة للمغاربة بالقوة؟

ربما هناك اجتماع سري داخل الحزب خرج منه القرار التالي: كلما اشتكى مغربي من البطالة، يجب أن نجيبه بأن العمل موجود. وكلما قال إنه لا يجد وظيفة، نقول له: ابحث جيدا. وكلما اشتكى من الأجر، نخبره أن هناك 400 درهم في اليوم. وإذا أصر على الشكوى، فربما نخبره أن المشكلة في نفسيته، وليس في سوق الشغل!

المغربي يقول: «ما عنديش خدمة».

الحزب يرد: «الخدمة موجودة».

المغربي يقول: «فين؟»

الحزب: «كاينة».

المغربي: «بشحال؟»

الحزب: «400 درهم فالنهار».

المغربي: «فين نمشي نخدم؟»

الحزب: «هاديك هي المشكلة، ما بغيتيش تخدم!»

وهكذا تنتهي القضية، وتتحول البطالة من أزمة اقتصادية واجتماعية إلى تهمة موجهة ضد العاطل نفسه.

أما عبارة الحسن السعدي الشهيرة: «مهبول أنا وغادي فالطروطوار»، فقد أصبحت اليوم قابلة لإعادة الاستخدام، لكن هذه المرة بصيغة سياسية: مهبول أنا وغادي نقلب على البطالة، وهي أصلا ما كايناش!

المغاربة لا يحتاجون إلى من يشرح لهم أن العمل موجود، لأنهم يعرفون جيدا معنى العمل. آباؤهم وأمهاتهم قضوا أعمارهم في العمل، وشباب اليوم مستعدون للعمل في أي مكان، وفي أي مهنة، وبأجر يحفظ كرامتهم. المشكلة أن بين «وجود العمل» وبين وجود عمل قار ومحترم بأجر عادل مسافة شاسعة.

فحين تقول لشاب حاصل على شهادة جامعية إن هناك 400 درهم في اليوم، فإن أول سؤال منطقي سيطرحه عليك هو: أين هذه الوظيفة؟ هل هي متاحة للجميع؟ هل هي يومية؟ هل هي بعقد؟ هل فيها تغطية اجتماعية؟ هل تستمر طوال السنة؟ وهل يستطيع العامل أن يبني بها مستقبله وأسرة وحياة مستقرة؟

لأن 400 درهم في اليوم، إذا كانت فعلا متاحة بشكل مستمر، فربما ينبغي للحكومة أن تنظم حملة وطنية عاجلة بعنوان: «عثرنا على العمل، والمواطن هو الذي يختبئ منه».

والأجمل أن يتم وضع مراكز استقبال للعاطلين، يدخل إليها الشاب حاملا سيرته الذاتية، فيقال له: «مبروك، لقد اكتشفنا أنك لا تريد العمل!»

المشكلة أن المواطن المغربي يعيش في عالم آخر تماما. هو يرى الأسعار ترتفع، ويرى شبابا يبحثون عن فرصة، ويرى آخرين يهاجرون، ويرى أصحاب الشهادات ينتظرون، ويرى عمالا يشتغلون بأجور هزيلة، ثم يأتيه خطاب سياسي يقول له إن المشكلة في أنه لا يريد العمل.

إنها وصفة مثالية لقلب الحقائق: بدل أن نسأل لماذا لا يجد الشباب عملا مستقرا، نسأل لماذا لا يريد الشباب العمل. وبدل أن نناقش الأجور وظروف العمل والحماية الاجتماعية، نكتفي بالقول: «راه الخدمة كاينة».

المغاربة كيشكيو بالعكر، وأبناء أخنوش كيقولو ليهم: كيف حال الصغار؟

والمواطن يقول: «بغينا خدمة».

فيأتيه الجواب: «خدم!»

فيقول: «بغينا أجرا محترما».

«كاين 400 درهم!»

«فين؟»

«سير قلب!»

وبهذه الطريقة يصبح العاطل هو المتهم، والمحتاج هو المسؤول عن فقره، والشاب الذي لم يجد وظيفة هو الذي لا يريد العمل، بينما تختفي من الصورة كل الأسئلة الصعبة المتعلقة بسياسات التشغيل، وجودة الوظائف، والأجور، وتكافؤ الفرص.

قد يكون الحزب مقتنعا فعلا بأن فرص الشغل متوفرة. لكن إذا كان الأمر كذلك، فليقم بأبسط شيء: ليدل المغاربة عليها.

لا نريد خطبا ولا شعارات ولا فلسفة في حب العمل.

نريد فقط قائمة واضحة: هذه الوظائف، وهذه أماكنها، وهذه أجورها، وهذه شروطها، وهذه العقود، وهذه الشركات التي توظف، وهذا هو الباب الذي يدخل منه المواطن.

أما أن تقول لملايين المغاربة إن العمل موجود وإنهم لا يريدون العمل، فهذه ليست معالجة للبطالة.

هذه محاولة لإقناع العاطل بأن المشكلة ليست في البطالة، بل في أنه لم يفهم بعد أنه موظف!

Exit mobile version