Site icon جريدة صفرو بريس

جيت الموازين باش يشوفني الدري ديال سويسرا”… عندما تختفي الثقافة وتتكلم التفاهة

كل سنة تُصرف الملايين وتُرفع الشعارات الكبيرة عن الثقافة والفن والانفتاح والإشعاع الحضاري. وكل سنة ينتظر المواطن أن يرى أثر هذا المشروع على الذوق العام والوعي الفني. لكن ما إن تنتهي إحدى السهرات حتى تأتي التصريحات التي تختصر المشهد كله في دقائق معدودة.

إحدى الحاضرات تقول بكل فخر: “جيت الموازين باش يشوفني واحد الدري من سويسرا”. وأخرى تعلن أمام الكاميرا: “جيت باش نشطح وشفني حبي فالحرس”.

وهنا يتوقف المواطن البسيط للحظة، ويحاول أن يفهم العلاقة بين هذه التصريحات وبين الثقافة والفن والتراث والإشعاع الحضاري الذي تتحدث عنه البلاغات الرسمية. فيعيد مشاهدة الفيديو مرة ثانية وثالثة، لعل الثقافة مختبئة في مكان ما بين “الدري ديال سويسرا” و”حبي فالحبس”، لكنه لا يجدها.

يبدو أن المهرجان نجح بالفعل في تحقيق أهداف جديدة لم تكن معلنة في البرنامج الرسمي. فهو لم يعد مجرد فضاء للعروض الفنية، بل تحول إلى منصة للبحث عن العريس الدولي، وفرصة للتعارف العابر للحدود، وسوق مفتوح لصناعة “البوز” والمشاهدات.

أما التراث، فيبدو أنه وقف بعيداً يراقب المشهد في صمت، مثل شيخ عجوز ضاع وسط حفلة صاخبة لا يعرف أحد فيها اسمه.

المضحك أكثر أن بعض المسؤولين سيخرجون غداً للحديث عن نجاح التظاهرة في تعزيز الثقافة والفن. والحال أن أكثر ما يتذكره الناس ليس الأغاني ولا العروض ولا الرسائل الفنية، بل تلك التصريحات التي تحولت إلى مادة للسخرية على مواقع التواصل الاجتماعي.

فإذا كانت المهرجانات مرآة للمجتمع، فإن المرآة هذه المرة تبدو مكسورة. وإذا كانت الثقافة تقاس بما يبقى في أذهان الناس بعد انتهاء الحدث، فإن السؤال المؤلم هو: ماذا بقي؟ هل بقي الشعر؟ هل بقي الفن؟ هل بقي التراث؟ أم بقي فقط “الدري ديال سويسرا” و”حبي فالحبس”؟

في النهاية، لا أحد يعارض الفن ولا الفرح ولا الموسيقى، لكن عندما تصبح التصريحات الأكثر تداولاً بعد مهرجان يصرف عليه الملايير هي قصص البحث عن الحبيب بدل الحديث عن الإبداع، فمن حقنا أن نتساءل: هل نحن أمام مهرجان ثقافي أم أمام موسم سنوي للتفاهة برعاية الأضواء والكاميرات؟

لقد وعدونا بالإشعاع الثقافي… فحصلنا على إشعاع من نوع آخر، يكفي وحده لإصابة الذوق العام بحروق من الدرجة الثالثة.

Exit mobile version