Site icon جريدة صفرو بريس

تسريب جديد يفتح النار على علاقة المجدوبي بجيراندو.. عندما يصبح ما وراء الشاشة أخطر من الخطاب أمام الكاميرا

مرة أخرى، تعود التسجيلات الصوتية المتداولة لتضع علاقة الحسين المجدوبي بهشام جيراندو تحت المجهر، وتعيد إلى الواجهة أسئلة ظلت لفترة طويلة معلقة دون أجوبة واضحة. فالتسريب الجديد، بحسب المعطيات المتداولة، لا يبدو مجرد حلقة إضافية في مسلسل السجال الرقمي، بل يفتح الباب أمام علامات استفهام ثقيلة حول طبيعة العلاقة بين الرجلين، وحول ما إذا كان الأمر يتعلق بمجرد تواصل عابر، أم بتنسيق وتبادل أدوار يتجاوز بكثير ما يتم تقديمه للرأي العام.

وإذا ثبتت صحة هذه التسجيلات ونسبتها إلى أصحابها، فإننا لا نكون أمام مجرد كلام متداول على مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما أمام معطيات تستحق أن تخضع للخبرة والتدقيق والتحقيق، لأنها قد تعيد ترتيب الكثير من الأوراق وتكشف جانبا من الكواليس التي ظلت بعيدة عن أعين المتابعين. فالمشكلة ليست في أن يتواصل صحفي مع أي شخص، فهذا حق لا ينازع فيه أحد، وإنما في طبيعة هذا التواصل ومضمونه والغاية منه، خصوصا عندما يتعلق الأمر بحملات رقمية تستهدف مؤسسات الدولة وشخصيات عمومية وتقدم للرأي العام في شكل اتهامات وادعاءات متواصلة.

وهنا تحديدا تصبح صورة “الصحفي المستقل” التي قدم بها المجدوبي نفسه أمام الجمهور أمام امتحان حقيقي. فالاستقلالية ليست كلمة تكتب في التعريف المهني، ولا شعارا يرفع عندما يكون ذلك مناسبا، وإنما مسؤولية تفرض الوضوح في المواقف والمصادر والعلاقات، خصوصا عندما يتعلق الأمر بقضايا حساسة تمس سمعة أشخاص ومؤسسات وتؤثر في الرأي العام. وإذا كانت التسجيلات المتداولة صحيحة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: أين تنتهي الصحافة وأين يبدأ التنسيق؟ وأين ينتهي العمل الإعلامي وأين تبدأ المشاركة في صناعة خطاب موجه؟

أما هشام جيراندو، فقد جعل من الهجوم على المغرب ومؤسساته مادة دائمة لحضوره الرقمي، مستندا إلى سيل من الاتهامات والادعاءات التي تحتاج في كل مرة إلى أدلة وليس إلى مجرد رفع الصوت أمام الكاميرا. لكن الجديد في هذه القضية هو أن التسريبات المتداولة، إذا ثبتت صحتها، قد تنقل النقاش من سؤال “ماذا يقول جيراندو؟” إلى سؤال أكثر إحراجا: “من يتحدث معه؟ ومن يزوده بالمعلومات؟ ومن يساعده على صناعة المحتوى؟”

وهنا بالضبط تكمن خطورة المسألة، لأن الرأي العام ليس أمام برنامج ترفيهي ولا أمام معركة شخصية بين مؤثرين، وإنما أمام خطاب يمكن أن تكون له انعكاسات سياسية وإعلامية كبيرة. وعندما تبدأ الأسماء في الظهور خلف الستار، وعندما تكشف التسجيلات المتداولة عن علاقات واتصالات محتملة، فإن من حق الرأي العام أن يسأل، ومن حق المؤسسات المختصة أن تتحقق، ومن حق كل شخص ورد اسمه أن يقدم توضيحاته للرأي العام.

لقد تم لسنوات تسويق صورة معينة عن بعض الأصوات الموجودة خارج المغرب، باعتبارها تمثل وحدها الحقيقة المطلقة، بينما جرى تقديم كل من يخالفها باعتباره خصما أو متواطئا أو فاقدا للاستقلالية. لكن ماذا لو كان المشهد أكثر تعقيدا مما يتم تقديمه؟ ماذا لو كانت هناك شبكة من العلاقات والمصادر والأدوار التي لا تظهر للمشاهد العادي؟ وماذا لو كان بعض من يقدم نفسه باعتباره مجرد ناقل للمعلومات مشاركا، بشكل مباشر أو غير مباشر، في صناعة الرواية نفسها؟

الأسئلة كثيرة، والإجابات لا ينبغي أن تكون بالصراخ ولا بالشتائم ولا بحملات التشويش. الدليل وحده هو الذي يستطيع أن يفصل بين الحقيقة والفبركة. فإذا كانت التسجيلات مزورة، فليتم كشف ذلك تقنيا وبالأدلة، وإذا كانت صحيحة، فعلى كل من ورد اسمه فيها أن يتحمل مسؤوليته وأن يقدم للرأي العام والقضاء ما لديه من توضيحات.

فالصحافة ليست غرفة عمليات سرية، والاستقلالية ليست درعا لحجب الأسئلة، وحرية التعبير لا تعني أن تتحول الاتهامات إلى حقائق لمجرد تكرارها عشرات المرات. ومن يختار العمل في المجال الإعلامي عليه أن يعرف أن المصداقية لا تمنح إلى الأبد، بل تختبر كل يوم، خصوصا عندما تظهر معطيات جديدة تضع العلاقات والمواقف أمام الرأي العام.

والأخطر من ذلك هو أن تتحول بعض المنصات إلى مصانع لصناعة الفضائح، حيث يصبح التشهير محتوى، والاتهام عنوانا، والتسريب وقودا، والمشاهد مجرد مستهلك لمعركة لا يعرف من يديرها ولا من يمولها ولا من يستفيد منها. وعندما تختلط الصحافة بالابتزاز السياسي، وتختلط المعارضة بالتشهير، وتتحول المعلومة إلى سلاح، فإن الأمر لم يعد مجرد اختلاف في الرأي، بل يصبح قضية تستحق الفحص والمساءلة.

ولذلك فإن كل تسريب جديد لا ينبغي أن يقابل بالتصفيق الأعمى ولا بالرفض الأعمى. المطلوب هو وضع التسجيلات أمام الخبرة، وتحديد مصدرها، والتحقق من سلامتها، ومعرفة سياقها، ثم مساءلة كل من تثبت علاقته بها. أما تحويلها إلى أحكام قضائية جاهزة قبل التحقق منها، فهو مجرد الوجه الآخر للفوضى التي يدعي البعض محاربتها.

لكن في المقابل، لا ينبغي أن تتحول عبارة “التسجيلات غير مؤكدة” إلى وسيلة لدفن الأسئلة. عدم ثبوت التسجيلات بعد لا يعني تجاهلها، كما أن تداولها لا يعني إدانة أصحابها. المسار الطبيعي هو التحقيق، ثم الحقيقة، ثم المسؤولية.

وإذا أثبتت التحقيقات أن هناك بالفعل تنسيقا أو ترتيبات أو أدوارا تتجاوز حدود التواصل العادي، فإن الصورة ستكون مختلفة تماما، ولن يعود الحديث عن مجرد “صحفي مستقل” و”ناشط رقمي”، بل عن شبكة علاقات وأدوار ينبغي أن يعرف الرأي العام حقيقتها.

لقد حان الوقت لكي تنتهي لعبة الأقنعة، ولكي يتوقف البعض عن الاختباء خلف الشعارات الكبيرة كلما ظهرت أسئلة محرجة. من يرفع شعار الحرية عليه أن يحترم الحقيقة، ومن يرفع شعار الصحافة عليه أن يحترم قواعد المهنة، ومن يوجه اتهامات خطيرة إلى الآخرين عليه أن يكون مستعدا لتقديم الأدلة، ومن يدخل في علاقات وتنسيقات ذات طابع سياسي أو إعلامي عليه أن يتحمل تبعاتها.

في النهاية، قد تكون التسجيلات المتداولة مجرد مادة مفبركة ضمن حرب إلكترونية، وقد تكون نافذة على كواليس لم يكن الرأي العام يعرف عنها شيئا. وبين الاحتمالين لا مكان للتخمين. هناك الخبرة، وهناك التحقيق، وهناك الأدلة.

لكن شيئا واحدا أصبح واضحا: كلما ظهر تسريب جديد، اتسعت دائرة الأسئلة، وضاق هامش المناورة أمام من اعتادوا تقديم رواية واحدة باعتبارها الحقيقة الكاملة. وما كان يجري خلف الشاشة قد يكون، في نهاية المطاف، أهم بكثير مما قيل أمام الكاميرا.

والحسم لن يكون بمنشور جديد ولا بفيديو غاضب ولا بحملة إلكترونية مضادة، وإنما بالحقيقة. فإذا كانت الاتهامات بلا أساس، فلتسقط بالأدلة، وإذا كانت لها أساس، فلتترتب المسؤوليات. أما زمن الإفلات من الأسئلة بمجرد رفع شعارات الاستقلالية وحرية التعبير، فيبدو أنه بدأ يقترب من نهايته.

Exit mobile version