Site icon جريدة صفرو بريس

تسريب الطالبي العلمي.. الطعم الانتخابي الذي قد يكون ضربة تكتيكية لتكسير عظام البام

تسجيل راشيد الطالبي العلمي، المنسوب إليه والمتداول في خضم الاستعداد للانتخابات المقبلة، لا يستحق أن يقرأ فقط باعتباره تسريبا محرجا لرئيس مجلس النواب أو زلة لسان داخل اجتماع حزبي مغلق، بل يمكن قراءته من زاوية أكثر خبثا وإثارة: ماذا لو لم يكن هذا التسريب مجرد حادث عرضي، بل جزءا من لعبة انتخابية محسوبة، جرى فيها رمي الطعم في الوقت المناسب، حتى يظهر التجمع الوطني للأحرار في صورة الحزب الذي يتعرض للاستهداف، بينما يجد حزب الأصالة والمعاصرة نفسه في موقع الدفاع؟

في السياسة، ليست كل التسريبات بريئة، وليست كل التسجيلات التي تصل إلى الرأي العام قد خرجت من أصحابها رغما عنهم. أحيانا يكون أخطر تسريب هو ذلك الذي يبدو في ظاهره ضربة موجعة لصاحبه، بينما تكون فائدته الحقيقية في مكان آخر. فالتسجيل المتداول يتضمن عبارات يمكن أن تبدو محرجة للأحرار، خصوصا حين يتعلق الحديث بوزارة المالية وموازين القوة داخل الحكومة المقبلة، لكنه في الوقت نفسه يحمل بين طياته مادة انتخابية جاهزة لضرب الخصم.

وهنا يجب طرح السؤال الحقيقي: من المستفيد من خروج هذا التسجيل في هذه اللحظة بالذات؟

فالوقائع المتزامنة تقول إن الأحرار أصدر بلاغا شديد اللهجة اتهم فيه البام باستمالة عدد من برلمانييه ومنتخبيه وقياداته، ثم خرج التسجيل إلى الواجهة متضمنا حديثا عن انتقال السياسيين كما تنتقل نجوم كرة القدم، وعن فوزي لقجع، وعن موازين القوة داخل الحكومة المقبلة، بل وعن الحقائب الوزارية التي يبدو أن البعض بدأ يتحدث عنها قبل أن يقول الناخبون كلمتهم.

من زاوية إعلامية بسيطة، قد يبدو أن الأحرار تلقوا ضربة مزدوجة: تسجيل محرج واتهامات سياسية متبادلة. لكن من زاوية الحرب الانتخابية، يمكن أن تكون الصورة معكوسة تماما. فالتسجيل وضع البام أمام المواطنين في موقع الطرف الذي يُتهم باستقطاب الأسماء والمرشحين، بينما ظهر الأحرار باعتباره الطرف الذي يتعرض للاستهداف ويحتج عليه رسميا.

وهذه ليست تفصيلا صغيرا.

إنها صناعة رواية انتخابية.

فالأحرار لا يقول فقط إن مرشحين غادروا صفوفه، وإنما يقول إن هناك من يستهدفه. ولا يقول فقط إن البام ينافسه، وإنما يضع هذه المنافسة داخل إطار الاستمالة والضغط. ثم يأتي التسجيل ليمنح هذه الرواية مادة صوتية مثيرة، قادرة على الانتشار والتداول وإشعال النقاش.

وهكذا، قد يتحول ما يبدو تسريبا ضد الأحرار إلى هجوم تكتيكي على البام.

قد يبدو الطالبي العلمي في التسجيل وكأنه كشف جانبا من طريقة تفكير قيادات حزبه بشأن الحكومة والوزارات، لكن النتيجة السياسية الأوسع أن البام أصبح مطالبا بشرح تحركاته وانتقالاته، بينما الأحرار حصل على فرصة للعب دور الحزب الذي يشتكي من تعرضه للاستقطاب.

وهنا تظهر إحدى قواعد الحرب السياسية: ليس ضروريا أن تضرب خصمك مباشرة، يكفي أحيانا أن تجعله يضطر إلى الدفاع عن نفسه.

والأخطر أن التسريب لا يحتاج إلى أن يكون مفبركا حتى يكون جزءا من لعبة انتخابية. يمكن أن يكون التسجيل حقيقيا، والكلام قيل فعلا، لكن إخراجه من الاجتماع وتداوله في هذا التوقيت يمكن أن يمنحه وظيفة سياسية مختلفة تماما عن وظيفته الأصلية. فالمعركة ليست دائما في مضمون الكلام، وإنما في توقيت نشره وفي الطريقة التي سيستقبله بها الجمهور.

ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى ما يحدث بين الأحرار والبام باعتباره بداية معركة تكسير عظام حقيقية. الحزبان لم يعودا يتعاملان مع بعضهما كحليفين داخل أغلبية حكومية فقط، وإنما كخصمين انتخابيين يتنافسان على المرشحين والمنتخبين والمواقع والنفوذ والخريطة السياسية المقبلة.

والأكثر إثارة أن هذا الصراع يحدث بين حزبين شاركا معا في تدبير الحكومة، ودافعا معا عن حصيلتها، ووقفا في مواقع مشتركة خلال الولاية الحكومية. لكن عندما اقترب موعد الانتخابات، بدأ التحالف الحكومي يتحول تدريجيا إلى ساحة صراع انتخابي.

وهنا تسقط الأقنعة بسرعة.

فما كان يسمى بالأمس تنسيقا داخل الأغلبية قد يصبح اليوم صراعا على التزكيات. وما كان يسمى تنافسا سياسيا عاديا يتحول إلى اتهامات بالاستمالة والضغط. وما كان يعتبر انتقالا حزبيا عاديا يصبح ورقة في معركة كسر الخصم أمام الرأي العام.

ولذلك فإن السؤال ليس فقط: لماذا انتقل هؤلاء من الأحرار إلى البام؟

السؤال الأهم هو: لماذا أصبح هذا الانتقال الآن قضية سياسية كبرى؟

الجواب واضح: لأن الانتخابات لم تعد بعيدة، ولأن كل حزب يحاول في هذه المرحلة بناء صورة لنفسه وصورة لخصمه في ذهن الناخب.

الأحرار يريد أن يقول إن البام يستعمل أسلوب استقطاب المرشحين والمنتخبين، والبام يريد أن يظهر باعتباره القوة الصاعدة القادرة على جذب أسماء من داخل حزب يقود الحكومة. وفي الحالتين، نحن أمام حرب على الصورة قبل أن تكون حربا على الأصوات.

ومن هنا يمكن فهم قيمة التسريب.

إذا كان الأحرار قد خطط لخروجه، فإن العملية تشبه رمي الطعم في الماء وانتظار الخصم حتى يبتلعه. فالتسجيل يقدم نفسه كوثيقة محرجة، لكنه في الوقت نفسه يعيد توجيه الغضب نحو البام. يثير النقاش حول الطالبي العلمي، لكنه يجر معه اسم البام. يفتح الحديث عن وزارة المالية، لكنه يعيد إلى الواجهة قضية استقطاب فوزي لقجع. ويبدو أنه يكشف أسرارا من داخل الأحرار، لكنه في النهاية يعزز الرواية التي تقول إن البام يخوض حرب استقطاب شرسة ضد الحزب.

وهذا هو الجانب الأكثر ذكاء في العملية، إذا افترضنا أنها كانت مقصودة.

أن تهاجم خصمك وأنت تظهر أمام الجمهور كأنك الضحية.

أن تقول للناس: انظروا، نحن نتعرض للاستهداف، وفي الوقت نفسه تجعلهم يتساءلون: لماذا يستهدفنا الآخرون؟ وما الذي يحدث داخل البام حتى أصبح يستقطب هذه الأسماء؟

إنها ليست ضربة مباشرة، وإنما ضربة نفسية وسياسية.

لكن المشكلة بالنسبة للبام أنه إذا قرر الرد، فقد يجد نفسه أمام فخ آخر. لأن الرد قد يفتح بابا واسعا على ملفات الانتقالات والاستقطابات والتزكيات، وقد يدفع الطرفين إلى الكشف عن أوراق لم يكن أي منهما يريد إخراجها الآن.

فإذا قال البام إن الأحرار يفعل الشيء نفسه، سيأتي السؤال: أين الأسماء؟ وأين الملفات؟ وإذا نشر الأحرار أسماء أخرى، سيأتي البام بأسماء أخرى. وعندها تتحول الانتخابات إلى سوق للتسريبات، ويصبح كل حزب مشغولا بإثبات أن خصمه أكثر تورطا منه.

وهنا تبدأ فعليا حرب تكسير العظام.

ليس المهم من يملك أفضل برنامج، بل من يستطيع أن يضع خصمه في الزاوية. وليس المهم فقط من يستطيع جذب المرشحين، بل من يستطيع تحويل انتقالاتهم إلى مادة سياسية ضد الطرف الآخر. وليس المهم فقط من سيحتل المرتبة الأولى، بل من سيصل إلى يوم الاقتراع وقد نجح في إقناع الناخب بأن خصمه هو المشكلة.

وفي هذا السياق، تبدو العبارة المنسوبة إلى الطالبي العلمي بشأن وزارة المالية أكثر من مجرد حديث عن حقيبة وزارية. فهي تمنح خصوم الأحرار مادة للهجوم، لكنها في الوقت نفسه تطرح أمام المواطنين سؤالا شديد الحساسية: هل بدأت الأحزاب فعلا في توزيع الوزارات قبل ظهور نتائج الانتخابات؟

وهذا السؤال قد يكون محرجا للأحرار، لكنه محرج للبام أيضا، لأن الصراع على الحقائب وموازين الحكومة المقبلة أصبح جزءا من المشهد السياسي قبل أن تفتح صناديق الاقتراع.

لكن الأحرار يستطيع أن يرد على هذا الإحراج بطريقة سياسية بسيطة: نعم، هناك حديث داخلي عن الحكومة المقبلة، لكن انظروا إلى الطرف الذي يستقطب أسماءنا ومرشحينا.

وهنا يعود الطعم إلى مكانه.

إنها لعبة سياسية دقيقة: تقدم للخصم مادة يهاجمك بها، لكنك تضمن في المقابل أن يهاجم نفسه من خلال الرد.

وإذا كان البام يمتلك ملفات مشابهة أو أقوى، فإن المعركة قد تصبح أكثر سخونة في الأيام المقبلة. لأن من يملك ورقة لا يستخدمها عادة إلا عندما يضمن أن الورقة ستحدث أكبر قدر من الضرر. ولذلك فإن الصمت أحيانا لا يعني عدم وجود الملفات، وإنما يعني انتظار اللحظة المناسبة.

وقد تكون اللحظة القادمة أكثر قسوة.

فإذا خرج تسجيل ثان، أو وثيقة، أو معطيات جديدة حول انتقالات أو تزكيات أو مفاوضات، فإن الرأي العام قد يكتشف أن التسجيل الحالي لم يكن سوى الجولة الأولى من حرب طويلة.

الأحرار يملك أوراقا، والبام يملك أوراقا، وكل طرف يعرف أن فتح جميع الملفات قد يؤدي إلى إحراق الجميع.

ولهذا فإن الحرب قد تظل محكومة بقاعدة: نضرب، لكن لا نحرق البيت كله.

غير أن الانتخابات عادة لا تحترم هذه القاعدة طويلا.

كلما اقترب موعد الاقتراع، ارتفع منسوب التوتر، وكلما ضاقت مساحة المناورة، أصبحت التسريبات أكثر قيمة، وأصبح كشف ملف واحد قادرا على تغيير اتجاه النقاش لأيام.

وهنا ينبغي ألا ينخدع المواطن كثيرا بصورة «الضحية» التي تقدمها الأحزاب عن نفسها.

كل حزب في الانتخابات هو ضحية في خطابه، ومهاجم في غرفه المغلقة.

كل حزب يشتكي من استقطاب مرشحيه، لكنه يريد استقطاب مرشحي خصومه.

كل حزب يندد بالترحال، لكنه يحتفي عندما يأتيه اسم انتخابي قوي من حزب منافس.

وكل حزب يقول إن المواطن هو صاحب القرار، بينما يقضي أسابيع طويلة قبل الاقتراع في البحث عن الأسماء التي يمكن أن تمنحه أكبر عدد من المقاعد.

لهذا، فإن تسجيل الطالبي العلمي قد يكون أخطر مما يبدو، ليس لأنه كشف فقط ما قيل داخل اجتماع حزبي، وإنما لأنه كشف طبيعة المرحلة نفسها: الحرب الانتخابية بدأت قبل الحملة، وبدأت هذه المرة من داخل الأغلبية نفسها.

والأحرار، إذا كان قد خطط لخروج التسجيل فعلا، يكون قد نفذ هجوما تكتيكيا ذكيا: جعل نفسه يبدو متضررا، ثم وضع البام في موقع المتهم، وفتح نقاشا حول استقطاب المرشحين، واستفاد من الضجة الإعلامية لإعادة ترتيب صورة الصراع.

أما إذا كان التسجيل قد خرج من دون تخطيط مسبق، فإن المفارقة أن نتيجته السياسية خدمت الأحرار أكثر مما أضرته.

وفي الحالتين، يبقى البام أمام امتحان صعب.

هل يبتلع الطعم ويرد بعصبية؟

هل يفتح ملفات مضادة؟

هل يكتفي بالنفي؟

أم يترك الأحرار يتحدث وحده؟

القرار ليس سهلا، لأن كل خيار يحمل مخاطره.

لكن شيئا واحدا أصبح واضحا: المعركة بين الأحرار والبام لم تعد معركة داخل الأغلبية، وإنما أصبحت معركة على من سيكتب رواية الانتخابات المقبلة.

ومن يكتب الرواية أولا، يملك أفضلية كبيرة.

لهذا لا ينبغي النظر إلى التسجيل فقط باعتباره «فضيحة».

قد يكون فضيحة، وقد يكون تسريبا بريئا، وقد يكون كلاما أخرج من سياقه.

لكن يمكن أيضا أن يكون طعما انتخابيا رُمي بعناية شديدة.

طعما يجعل الخصم يظن أنه حصل على فضيحة، بينما يكون في الحقيقة قد حصل على الدور الذي أراده له خصمه.

وهنا تكمن المفارقة:

ربما لم يكن الهدف من تسريب كلام الطالبي العلمي إسقاط الأحرار، بل إسقاط البام أمام المواطنين.

والأيام المقبلة وحدها ستكشف ما إذا كان هذا مجرد تحليل سياسي، أم أن الجولة الثانية من الحرب ستخرج معها أوراق أكثر ثقلا.

لأن معركة تكسير العظام بدأت، وفي مثل هذه المعارك لا تكون أول ضربة هي الأخطر دائما.

أحيانا تكون أخطر ضربة هي تلك التي تجعلك ترد.

Exit mobile version