Site icon جريدة صفرو بريس

تسجيل البشير مصطفى السيد.. اعترافات من داخل “البوليساريو” تكشف عمق الأزمة وتعيد فتح ملف إبراهيم غالي

في تطور سياسي يثير الكثير من التساؤلات حول مستقبل “جبهة البوليساريو” الوهمية، عاد اسم البشير مصطفى السيد، شقيق مؤسس “الجبهة” وأحد أبرز الشخصيات التي عاصرت مراحل تأسيسها وتعرف خبايا تنظيمها، إلى واجهة النقاش، عقب تداول تسجيل يتضمن تصريحات شديدة اللهجة بشأن الوضع الذي وصلت إليه “الجبهة” على مختلف المستويات، وهو الذي يشغل رئاسة ما يسمى ببرلمان الجمهورية الوهمية.

التسجيل المتداول يحمل، بحسب مضمونه لغة مختلفة عن الخطاب الذي اعتادت قيادة “البوليساريو” توجيهه إلى سكان مخيمات تندوف، إذ يتحدث عن الهزيمة والفشل والضعف الشديد الذي أصاب التنظيم دبلوماسيا واجتماعيا وعسكريا وسياسيا، والأوضاع الكارثية لسكان المخيمات. مما يوضح أن الأمر يتجاوز مجرد انتقاد عابر، ليطرح أسئلة جدية حول حقيقة الوضع الداخلي “للجبهة”، ومدى قدرتها على الاستمرار في تسويق خطاب الانتصارات والإنجازات أمام سكان المخيمات.

فحين تأتي الانتقادات من شخصية عايشت تاريخ “التنظيم” من الداخل، فإن وقعها يختلف عن التصريحات الصادرة عن خصومه. فالبشير مصطفى السيد ليس اسما هامشيا في تاريخ “البوليساريو”، بل ينتمي إلى الدائرة التي عاصرت نشأة “الجبهة” وتطورها، وهو ما يجعل هذه التصريحات، مادة سياسية تستحق التوقف عندها، خصوصا عندما يتعلق الأمر بتوصيف وضع “التنظيم” باعتباره يعيش حالة من الضعف الكارثي على جبهات متعددة.

غير أن الجزء الأكثر إثارة للجدل في التسجيل هو بشأن إبراهيم غالي، زعيم “البوليساريو”، حين تحدث عن ماضيه في مدينة السمارة، واصفا إياه بأنه كان شرطيا لدى إسبانيا، وأنه كان تحت الحماية الإسبانية سنة 1970، مبينا ارتباطه بالسلطات الإسبانية في تلك المرحلة اي انه كان ” قوادا” للإستعمار.

إن خطورة هذه التصريحات، تكمن في أنها تعري الصورة التي بنتها الدعاية الانفصالية حول إبراهيم غالي، باعتباره أحد رموز المقاومة والقيادة التاريخية للتنظيم. فكيف يمكن لقيادة ظلت تقدم نفسها باعتبارها صاحبة مشروع تحرري أن تواجه اتهامات من داخل محيطها القيادي بشأن ماضي أحد أبرز رموزها؟ وكيف يمكن أن يتعامل سكان المخيمات مع روايات متناقضة حول شخصيات جرى تقديمها لهم لعقود باعتبارها رموزا للبطولة والتضحية؟ بينما كانت غارقة في العمالة للمستعمر تستفيد من الفتات على حساب معاناة الساكنة

لقد اعتمدت “البوليساريو”، منذ سنوات طويلة، على خطاب سياسي وإعلامي يسعى إلى ترسيخ رواية واحدة لدى سكان المخيمات، وهي رواية تركز على الصراع مع المغرب وتقدم قيادات “الجبهة” باعتبارها صاحبة مشروع لا يتراجع. لكن ظهور انتقادات من داخل “التنظيم”، تتحدث عن الفشل والضعف وتثير أسئلة حول ماضي قياداته، يفتح المجال أمام مراجعة كثير من المسلمات التي جرى تسويقها طوال عقود.

وهنا يبرز السؤال الأكبر: هل وصلت البوليساريو” إلى مرحلة أصبحت فيها التناقضات الداخلية أكثر وضوحا من قدرتها على إخفائها خلف الشعارات؟ وهل أصبح خطاب الانتصار الذي تروج له “الجبهة” عاجزا عن إقناع الجميع، في ظل التحولات السياسية والدبلوماسية التي يعرفها ملف الصحراء المغربية؟

إن ما يجري لا يمكن فصله عن طبيعة العلاقة التي تربط “البوليساريو” بالنظام الجزائري. حيث لم تكن “الجبهة” سوى أداة في صراع إقليمي يستهدف المغرب، وورقة سياسية استخدمت لعقود لإبقاء ملف الصحراء المغربية مفتوحا واستنزاف العلاقات المغاربية. وفي هذا السياق، فإن استمرار سياسة النظام الجزائري تقديم “البوليساريو” في الواجهة، مع أنه هو الطرف الرئيسي في النزاع هدفه زعزعة استقرار المغرب لا تخدم بالضرورة سكان المخيمات بقدر ما يخدم حسابات إقليمية أوسع، في مقدمتها المحافظة على سلطته عبر تضليل الشعب الجزائري ووجود عدو واختلاقه، لأنه يدرك انه بمجرد فض النزاع، سقوطه سيكون مدو لأن أنظار الشعب ستتجه إليه مباشرة.

لقد ظل النظام الجزائري يوظف ملف الصحراء المغربية في علاقته بالمغرب، بينما يعيش سكان مخيمات تندوف أوضاعا تجعل مستقبلهم مرتبطا باستمرار نزاع طال أمده. وبدل أن يتحول هذا الملف إلى فرصة لبناء فضاء مغاربي قائم على التعاون والتكامل، أصبح أحد أبرز أسباب التوتر والقطيعة بين بلدين تجمعهما الجغرافيا والتاريخ والروابط الإنسانية.

ولا يتوقف النقاش عند الصحراء المغربية وحدها، بل يمتد إلى طبيعة السياسة الجزائرية في محيطها الإقليمي، في ظل التوترات التي تعرفها منطقة الساحل، وما يثار بشأن الأدوار والتدخلات الخارجية في أزمات دول المنطقة، بما فيها مالي والنيجر، فضلا عن الجدل المرتبط بعلاقات الجزائر مع تونس وشؤونها الداخلية. وهي ملفات تعكس تعقيدات البيئة الإقليمية التي تتحرك فيها الجزائر، وتطرح أسئلة حول جدوى الاستمرار في إدارة الخلافات بمنطق الصراع واختلاق الأعداء بدل بناء الثقة والتعاون.

لكن حسابات نظام العسكر الجزائري اصطدمت بدولة اسمها المغرب، دولة لها تاريخ سياسي وحضاري طويل، وراكمت عبر قرون خبرة في تدبير العلاقات الدولية والتحالفات، وفي فهم تعقيدات السياسة والحروب والسلم. فالمغرب لا يتعامل مع ملف الصحراء المغربية باعتباره مجرد خلاف عابر، بل باعتباره قضية وطنية يرتبط بها استقراره ووحدته الترابية ومصالحه الاستراتيجية.

وقد اعتمد المغرب في تدبير هذا الملف على مسارات متعددة، تجمع بين الدبلوماسية والتحرك الدولي وتعزيز الشراكات، إلى جانب الدفاع عن مبادرة الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية باعتبارها مقترحا لحل سياسي للنزاع. وفي المقابل، يظل استمرار النزاع مكلفا للمنطقة بأكملها، ويحول دون بناء اتحاد مغاربي قادر على مواجهة التحديات الاقتصادية والأمنية والتنموية.

إن الفارق بين المقاربتين لا يتعلق فقط بالخطاب السياسي، وإنما أيضا بكيفية التعامل مع التحولات الدولية والإقليمية. فالدول التي تبني علاقاتها على المصالح المشتركة والاستقرار والتنمية تستطيع توسيع هامش حركتها، بينما تظل المشاريع القائمة على استمرار الخصومة معرضة لتكاليف سياسية واقتصادية متراكمة.

أما “البوليساريو”، فإن أي اعتراف داخلي بالفشل أو الضعف، يفرض عليها مواجهة أسئلة لا يمكن الإجابة عنها بالشعارات وحدها: ماذا حققت بعد عقود من الصراع؟ وما مستقبل سكان المخيمات؟ وإلى متى سيظل هؤلاء يعيشون في انتظار حل سياسي ينهي معاناتهم ويفتح أمامهم آفاقا جديدة؟

إن سكان المخيمات ليسوا مجرد أرقام في حسابات الصراع، بل بشر لهم الحق في مستقبل مستقر، وفي حياة تحفظ كرامتهم وتتيح لهم الاختيار بعيدا عن ضغوط نظام العسكر الجزائري. ولذلك فإن أي نقاش جاد حول مستقبل الصحراء المغربية يجب أن يضع البعد الإنساني في صلبه، وألا يحول معاناة الناس إلى وسيلة لاستمرار الخلافات السياسية.

وفي النهاية، فإن تسجيل البشير مصطفى السيد، يفتح بابا واسعا للنقاش حول الأزمة داخل “البوليساريو” الوهمية، وحول التناقضات التي قد تواجهها قيادتها، وحول الدور الجزائري في استمرار النزاع.

فحين تتحدث شخصيات من داخل التنظيم عن الهزيمة والفشل والضعف، يصبح من حق الرأي العام أن يسأل عن حصيلة عقود من الصراع، وعن الثمن الذي دفعه سكان المخيمات، وعن الجهة التي تستفيد من استمرار هذا الوضع.

لقد تغيرت المنطقة، وتبدلت موازين العلاقات والتحالفات، ولم تعد الشعارات وحدها قادرة على إخفاء الأسئلة التي يفرضها الواقع. أما المغرب، فيواصل الدفاع عن وحدته الترابية ومصالحه الوطنية عبر مسارات سياسية ودبلوماسية متعددة، في وقت تظل فيه الحاجة قائمة إلى حل ينهي معاناة سكان المخيمات ويضع حدا لنزاع استنزف إمكانات المنطقة لعقود.

فالتاريخ لا يكتب بالشعارات وحدها، ولا تقاس المشاريع السياسية بما ترفعه من وعود، وإنما بما تحققه على أرض الواقع. وعندما يصبح الفشل موضوعا للنقاش من داخل التنظيم نفسه، فإن السؤال لم يعد فقط عن قوة الخطاب، بل عن حقيقة المشروع، ومستقبل من وجدوا أنفسهم عالقين في صراع طال أكثر مما ينبغي.

Exit mobile version