Site icon جريدة صفرو بريس

تريليون درهم من الدين… ومن سيدفع الفاتورة؟

حين يتجاوز دين الخزينة العامة في المغرب عتبة 1.08 تريليون درهم، لا يعود الحديث عن الدين مجرد رقم مالي بارد في تقرير رسمي، بل يتحول الى سؤال سياسي واجتماعي مباشر: ماذا فعلنا بكل هذه الأموال، وماذا تغير فعلا في حياة المواطن؟

فالمواطن الذي يواجه ارتفاع كلفة المعيشة لا يحتاج الى خبير اقتصادي حتى يشعر بأن شيئا ما لا يسير على ما يرام. يكفي ان ينظر الى فاتورة الغذاء، والسكن، والنقل، والتعليم، والصحة، ثم يقارنها بما يسمعه يوميا عن المشاريع والاستثمارات والبرامج الحكومية.

المشكلة ليست في الاقتراض في حد ذاته. الدول تقترض، والاقتراض قد يكون اداة مشروعة لتمويل الاستثمار وتحريك الاقتصاد عندما تكون الاموال موجهة الى مشاريع منتجة تخلق الثروة وفرص الشغل وتزيد قدرة الدولة على السداد. الكارثة تبدأ عندما يتحول الدين الى وسيلة لتغطية اختلالات متكررة، وتمويل نفقات لا تنتج قيمة مضافة كافية، وتأجيل مواجهة المشاكل الحقيقية الى المستقبل.

وهنا يحق للمواطن ان يسأل الحكومة بكل وضوح: اذا كانت المديونية ترتفع بهذا الحجم، فأين هي النتائج التي يفترض ان تبررها؟

أين فرص الشغل التي تسمح للشباب ببناء مستقبلهم؟ أين الخدمات الصحية التي تجعل المواطن لا يخشى المرض؟ أين المدرسة العمومية التي تمنح ابناء الفقراء فرصة حقيقية للصعود الاجتماعي؟ أين التنمية في القرى والمناطق التي ما زالت تعاني من ابسط شروط الحياة؟ وأين الاثر المباشر لكل هذه المليارات في حياة المواطن العادي؟

لا يمكن للحكومة ان تطلب من المواطن ان يتحمل الغلاء باسم الظروف الدولية، وان يتحمل الضرائب باسم تمويل الدولة، وان يتحمل الاقتراض باسم الاستثمار، ثم تطلب منه في النهاية ان يصدق ان كل شيء يسير في الاتجاه الصحيح دون ان تقدم له حصيلة ملموسة.

الدولة قد تقترض مليار درهم او مئات المليارات، لكن السؤال الحقيقي ليس كم اقترضت، بل ماذا صنعت بما اقترضت.

هل تحول الدين الى مصانع؟ هل خلق وظائف مستقرة؟ هل رفع انتاجية الاقتصاد؟ هل قلص الفوارق المجالية؟ هل خفف الضغط عن الطبقات الشعبية؟ هل جعل المغرب اكثر قدرة على إنتاج الثروة بدل الاستمرار في البحث عن مصادر جديدة لتمويل العجز؟

اذا كانت الاجابة عن هذه الاسئلة غير واضحة، فإن المواطن سيبقى امام معادلة مخيفة: دين يتضخم، وأسعار ترتفع، وخدمات عمومية لا تزال دون الانتظارات، وشباب يبحث عن فرصة في الهجرة بدل ان يجدها داخل بلده.

والاخطر من الدين نفسه هو غياب النقاش الحقيقي حول وجهة الأموال المقترضة وكلفة سدادها. لأن الدين ليس مالا مجانيا. كل درهم تقترضه الدولة اليوم سيأتي يوم يجب فيه تسديده، ومعه فوائد وتكاليف اخرى. وفي النهاية، من سيدفع؟ المواطن من خلال الضرائب، او من خلال تقليص بعض النفقات، او عبر التضخم والضغط على القدرة الشرائية، او عبر تحميل الاجيال المقبلة فاتورة قرارات لم تشارك في اتخاذها.

هنا تصبح عبارة “الاستثمار في المستقبل” بحاجة الى تدقيق. الاستثمار في المستقبل يعني ان تترك للاجيال المقبلة اقتصادا اقوى، ومدرسة افضل، وصحة اكثر عدلا، وبنية تحتية منتجة، وفرص عمل حقيقية. اما ان تترك لها جبلا من الديون وتقول لها ان المشاريع كانت ضرورية، فذلك ليس استثمارا في المستقبل، بل ارسال فاتورة الى المستقبل.

ولا ينبغي ايضا اختزال القضية في حكومة واحدة فقط، لأن المديونية تراكمت عبر سنوات وحكومات متعددة. لكن الحكومة الحالية تتحمل مسؤولية ما راكمته خلال ولايتها، ومسؤولية ان تشرح للمغاربة بوضوح ماذا اقترضت، ولماذا اقترضت، وأين صرفت الأموال، وما العائد الذي تحقق منها.

المغربي لا يريد خطابات تقنية معقدة. يريد جوابا بسيطا ومباشرا: ماذا استفدنا من كل هذه المليارات؟

فاذا كان الدين قد تحول الى تنمية حقيقية، فلتعرض الحكومة النتائج بالأرقام والوقائع. واذا كان جزء كبير منه يذهب الى سد الثقوب وتمويل الاختلالات، فالمطلوب هو الاعتراف بالمشكلة بدل تجميلها بالشعارات.

لأن أخطر ما يمكن ان يحدث ليس ان ترتفع المديونية، بل ان ترتفع المديونية بينما يبقى المواطن يسأل نفسه كل يوم: لماذا لا أشعر بأي تحسن؟

قد تستطيع الحكومة اقتراض المال باسم المغرب، لكنها لا تستطيع اقتراض ثقة المواطن الى ما لا نهاية.

وفي النهاية، ليست القضية ان يكون المغرب مديونا او غير مديون، بل ان يكون الدين وسيلة لبناء اقتصاد اقوى، لا عصا تؤجل بها الحكومة الازمات وتتركها للذين سيأتون بعدها.

فالمليارات المقترضة لها ذاكرة، والفواتير لها موعد، والاجيال المقبلة لن تستطيع ان تقول: لم نكن نعرف.

والسؤال الذي يجب ان يبقى مفتوحا امام الحكومة ليس فقط: كم اقترضتم؟

بل: ماذا بنيتم بكل ما اقترضتم؟ ومن سيدفع الثمن اذا لم تكن النتيجة في مستوى الدين؟

Exit mobile version