تجد حكومة فاطمة الزهراء المنصوري نفسها أمام تحد اقتصادي واجتماعي لا يحتمل التأجيل، في ظل استمرار الضغوط على القدرة الشرائية للأسر المغربية، وتزايد تكاليف المعيشة، وما تفرضه التحولات الاقتصادية الدولية من مخاطر على أسعار الطاقة والمواد الغذائية والأسمدة. وبين المؤشرات التي تنذر باستمرار اضطراب الأسواق العالمية، تتجه الأنظار إلى التدابير التي ستعتمدها الحكومة خلال ما تبقى من السنة الجارية لحماية المواطنين من انعكاسات الغلاء.
وتعكس توقعات البنك الدولي حجم التحديات المقبلة، خصوصا مع اضطراب إمدادات النفط وارتفاع أسعار المعادن والأسمدة، وهي عوامل يمكن أن تنعكس، بشكل مباشر أو غير مباشر، على تكاليف الإنتاج والنقل والفلاحة وأسعار عدد من المواد الاستهلاكية. ولا تقتصر آثار هذه التطورات على الاقتصادات الكبرى، بل تمتد إلى البلدان المستوردة للطاقة والمواد الأساسية، ومنها المغرب، حيث تجد الأسر محدودة الدخل نفسها الأكثر تأثرا بأي موجة جديدة من ارتفاع الأسعار.
وفي هذا السياق، يبرز السؤال حول طبيعة الإجراءات التي ستختارها حكومة المنصوري، ومدى قدرتها على الانتقال من تدبير الظرفية الاقتصادية إلى اعتماد سياسة اجتماعية أكثر فعالية، تجعل حماية القدرة الشرائية في صلب أولوياتها. فالتحدي لا يرتبط فقط بالحفاظ على التوازنات المالية، بل يتصل أيضا بمدى قدرة الأجور والمداخيل على مواكبة تكاليف الحياة اليومية، خصوصا لدى الفئات التي تنفق الجزء الأكبر من دخلها على الغذاء والسكن والنقل والتعليم والصحة.
ومن بين التدابير المطروحة للنقاش، تعزيز الدعم الاجتماعي الموجه إلى الأسر الأكثر هشاشة، ومراجعة مدى كفاية التحويلات المالية الحالية في مواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة، إلى جانب تشديد مراقبة الأسواق والتصدي للمضاربات والاحتكار، وضمان شفافية الأسعار وهوامش الربح في القطاعات التي تعرف اختلالات. كما تبرز أهمية دعم الإنتاج الفلاحي الوطني، وتيسير حصول الفلاحين على المدخلات الأساسية، بما يساهم في الحد من تقلبات أسعار المواد الغذائية وتقوية الأمن الغذائي.
وتحتاج الحكومة، في المقابل، إلى البحث عن توازن بين التدخل الاجتماعي والحفاظ على استدامة المالية العمومية، مع توجيه الموارد المتاحة نحو الإجراءات الأكثر أثرا على حياة المواطنين. فالدعم الذي لا يصل إلى مستحقيه، أو التدابير التي لا تنعكس فعليا على الأسعار النهائية، لن تكون كافية لاحتواء الشعور المتزايد بالضغط الاقتصادي لدى شرائح واسعة من المجتمع.
كما أن فعالية أي سياسة لمواجهة الغلاء تظل مرتبطة بوضوح الإجراءات، وتحديد الفئات المستهدفة، وإخضاع النتائج للتقييم المنتظم، حتى لا تبقى الوعود الاجتماعية منفصلة عن الواقع المعيشي للأسر. فالمواطن لا ينتظر فقط تفسيرات مرتبطة بالأزمات الدولية، بل يريد أن يلمس أثر القرارات الحكومية في ميزانيته اليومية وقدرته على تلبية حاجاته الأساسية.
وبين تقلبات الأسواق العالمية وانتظارات الشارع المغربي، سيكون ملف القدرة الشرائية أحد أبرز الاختبارات الاجتماعية أمام حكومة المنصوري خلال السنة الجارية. وسيظل الحكم على أدائها مرتبطا بمدى قدرتها على اتخاذ تدابير ملموسة تحد من آثار الغلاء، وتدعم الفئات المتضررة، وتعيد التوازن تدريجيا بين المداخيل وتكاليف المعيشة، دون الاكتفاء بإجراءات ظرفية لا تعالج جذور المشكلة.

