في سياق سياسي يتسم بالتآكل التدريجي للثقة في الوسائط الحزبية، أعلن كل من الحزب الاشتراكي الموحد وفيدرالية اليسار الديمقراطي عن تأسيس “تحالف اليسار”، حاملين معه خطاباً يبدو في ظاهره طموحاً: ملكية برلمانية، إصلاح دستوري عميق، دولة مؤسسات، وسيادة شعبية كاملة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه قبل الإعجاب بالنصوص السياسية هو: هل نحن أمام مشروع تاريخي جديد، أم أمام إعادة تدوير قديم لخطاب فقد جذوره الاجتماعية منذ زمن؟
اللغة المستخدمة في الميثاق تبدو مألوفة لمن تابع مسار اليسار المغربي منذ عقود: نفس المفردات تقريباً، من “الديمقراطية” إلى “فصل السلط” إلى “إخضاع المؤسسات للمساءلة”. لكن ما تغيّر ليس الخطاب، بل الأرضية الاجتماعية التي كان هذا الخطاب يستند إليها. فالسؤال الحقيقي اليوم ليس ماذا يقول اليسار، بل لمن يقول ذلك، وأين هي القاعدة الاجتماعية التي يمكن أن تحوّل هذا القول إلى قوة فعل؟
التجارب السابقة تقدم إجابات قاسية أكثر مما تقدم آمالاً. تجربة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية Union Socialiste des Forces Populaires تظل المثال الأكثر دلالة على مسار التحول من خطاب المعارضة الجذرية إلى منطق المشاركة في تدبير السلطة، ثم التكيف التدريجي مع قواعد اللعبة السياسية القائمة. ما بدأ كشعار للتغيير البنيوي انتهى في كثير من المراحل إلى إدارة إصلاحات محدودة داخل نفس البنية التي كان يفترض تغييرها.
هذا التحول لم يكن “خيانة” بقدر ما كان نتيجة طبيعية لغياب شرط أساسي في أي مشروع يساري: القاعدة الاجتماعية المنظمة. فبدون طبقة عمالية فاعلة، أو حركات اجتماعية مستمرة، يتحول اليسار من قوة ضغط إلى خطاب نخبوي، يشتغل أكثر في الندوات والبيانات منه في الشارع ومراكز الإنتاج.
اليوم، يواجه “تحالف اليسار” الجديد نفس المعضلة، ولكن في سياق أكثر تعقيداً. فالمجتمع المغربي لم يعد ذلك الفضاء الذي يمكن اختزاله في ثنائية بسيطة بين “دولة” و“طبقة عمالية”، بل أصبح فسيفساء من الهشاشة: بطالة الشباب، اقتصاد غير مهيكل، احتجاجات متقطعة، وحركات مطلبية لا تنتظم دائماً داخل إطار أيديولوجي واضح. وهنا يظهر السؤال الحاسم: هل يمتلك هذا التحالف أدوات قراءة هذا الواقع الجديد، أم أنه ما زال يشتغل بخريطة اجتماعية قديمة؟
من جهة أخرى، يطرح خطاب “الملكية البرلمانية” سؤالاً سياسياً حساساً: هل يتعلق الأمر برؤية انتقالية قابلة للتفاوض التدريجي، أم بشعار تعبوي يفتقر إلى آليات التحقق الواقعي؟ فالتجارب المقارنة تُظهر أن مثل هذه المطالب لا تنجح إلا عندما تكون مرتبطة بقوة اجتماعية منظمة، لا بمجرد توافقات نخب حزبية.
أما الحديث عن “الديمقراطية كصمام أمان للوحدة الترابية”، فهو يعكس محاولة لتجاوز أحد أكثر الملفات حساسية في الخطاب السياسي المغربي. لكن هذا الربط، رغم وجاهته النظرية، يظل بحاجة إلى ترجمة سياسية واضحة: كيف يمكن تحويل هذا الربط من شعار إلى سياسة عامة قابلة للقياس؟
المفارقة أن هذا التحالف يُقدم نفسه كبديل، في حين أن جزءاً كبيراً من الرأي العام لا يرى في الأحزاب التقليدية – يسارية كانت أو غيرها – سوى فاعل ثانوي في مشهد تهيمن عليه الدولة ومؤسساتها، من جهة، وقوى اقتصادية وإعلامية من جهة أخرى. وهنا يظهر السؤال الأكثر إزعاجاً: هل يمكن لليسار أن “يعارض النظام الرأسمالي” وهو يشتغل داخله، ويعتمد على قواعده القانونية والاقتصادية والتنظيمية؟
حتى مفهوم “الأوليغارشية” الذي يتم استدعاؤه في الخطاب، يبدو في كثير من الأحيان أقرب إلى توصيف عام منه إلى تحليل ملموس لبنية السلطة والثروة. فمحاربة التركز الاقتصادي تحتاج إلى أدوات سياسية وتشريعية وتنظيمية دقيقة، وليس فقط إلى مواقف خطابية.
في النهاية، لا يبدو أن السؤال الحقيقي هو: هل اليسار ما زال يملك مشروعاً؟ بل: هل ما زال يملك شروط إنتاج مشروع؟ فالمشاريع السياسية لا تولد من البيانات، بل من توازنات اجتماعية واقتصادية وثقافية، ومن قدرة على التنظيم والتأطير والضغط.
بدون ذلك، قد يتحول “تحالف اليسار” الجديد إلى ما يشبه كثيراً من محاولات ما بعد الإحباط: إعلان سياسي كبير، وصدى إعلامي مؤقت، ثم عودة سريعة إلى الهامش، حيث تُعاد نفس الأسئلة، بنفس الحدة، في دورة لا تنتهي بين الأمل والتكرار.
تحالف اليسار بين الشعارات الثقيلة وواقع الخفة السياسية: أسئلة المشروع المؤجل في المغرب

