مرة أخرى، خرجت وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، ليلى بنعلي، لتقدم صورة وردية عن واقع الطاقة بالمغرب، مؤكدة أن المواطن “لم يدفع درهما إضافيا واحدا” في فاتورة الكهرباء منذ سنة 2017، وأن المملكة نجحت بفضل “الاختيارات الاستراتيجية” في الحفاظ على استقرار الأسعار رغم الأزمات الدولية.
تصريحات تبدو جميلة على الورق، لكنها بالنسبة لعدد كبير من المغاربة أقرب إلى خطاب قادم من “مغرب آخر”، لا علاقة له بالواقع اليومي الذي يعيشه المواطن البسيط وهو يطارد فواتير الماء والكهرباء وارتفاع الأسعار الجنوني في كل القطاعات.
فالمغربي الذي يقف مذهولاً أمام فاتورته الشهرية، لا يهتم كثيراً بالتفاصيل التقنية التي تتحدث عنها الحكومة، ولا يميز بين “التعرفة الرسمية” و”الرسوم” و”تكاليف التوزيع” و”الضرائب غير المباشرة”. ما يهمه ببساطة هو السؤال التالي: لماذا أصبحت الحياة أكثر كلفة رغم كل هذه الوعود عن الطاقات المتجددة والسيادة الطاقية؟
الحكومة تتحدث بلغة المؤشرات، بينما المواطن يعيش بلغة السوق. هناك فرق شاسع بين أن تقول الدولة إن “سعر الكهرباء لم يرتفع رسمياً”، وبين أن يشعر المواطن فعلاً بأن قدرته الشرائية مستقرة. الواقع يقول إن الغلاء يلتهم الجميع، وإن أسعار المحروقات والنقل والمواد الأساسية انعكست بشكل مباشر على جيوب الأسر المغربية، حتى وإن لم تعلن الحكومة زيادة صريحة في تسعيرة الكهرباء.
الأكثر إثارة للجدل هو أن المغرب يُقدَّم منذ سنوات كنموذج إقليمي في الطاقات المتجددة، بمشاريع ضخمة ومليارات تُصرف على الطاقة الشمسية والريحية، ومع ذلك لا يرى المواطن أثراً واضحاً لذلك على فاتورته أو على مستوى معيشته. وهنا يبرز السؤال المحرج: إذا كانت هذه المشاريع تحقق كل هذا “النجاح”، فلماذا لا يشعر به المواطن العادي؟
ثم إن الحديث المتكرر عن “السيادة الطاقية” يبدو بدوره مثيراً للتناقض، في وقت ما يزال فيه المغرب مرتبطاً بشكل كبير باستيراد مصادر الطاقة من الخارج، ومتأثراً بتقلبات الأسواق الدولية. فكيف يمكن الحديث عن سيادة كاملة بينما الأسعار المحلية تهتز مع كل أزمة عالمية؟
الأزمة الحقيقية اليوم ليست فقط في قطاع الطاقة، بل في الخطاب السياسي نفسه. فالمواطن لم يعد يرفض الأرقام فقط، بل أصبح يشكك في اللغة التي تُقدَّم بها تلك الأرقام. هناك فجوة متزايدة بين المؤسسات والشارع، بين تقارير النجاح الرسمية والإحساس العام بالضغط الاجتماعي والاقتصادي.
قد تكون الحكومة نجحت فعلاً في تجنب سيناريوهات أسوأ، وقد تكون هناك إصلاحات تقنية حقيقية داخل القطاع، لكن تحويل ذلك إلى خطاب انتصاري منفصل عن معاناة الناس اليومية، لا يؤدي إلا إلى مزيد من فقدان الثقة. فالمغاربة لا يريدون خطابات مطمئنة بقدر ما يريدون نتائج ملموسة يشعرون بها في حياتهم اليومية، لا في العروض الرسمية تحت قبة البرلمان.
بين لغة الأرقام وواقع المغاربة.. هل تتحدث ليلى بنعلي عن بلد آخر؟

