لا تقف قضية التوقيف الاحتياطي لطبيبة اختصاصية بالمستشفى الجهوي مولاي علي الشريف بالرشيدية عند حدود شكاية فردية تتعلق بتوجيه مريض نحو مصحة خاصة، بل تفتح نقاشًا أوسع حول العلاقة بين القطاعين العام والخاص في المنظومة الصحية، وحدود المسؤولية المهنية، وآليات الرقابة التي تعتمدها وزارة الصحة في التعامل مع الشكايات المرتبطة بحقوق المرضى.
فالقرار الإداري القاضي بتوقيف الطبيبة مؤقتًا عن العمل، في انتظار استكمال البحث التمهيدي وعرض الملف على المجلس التأديبي، يعكس توجهًا نحو التعامل السريع مع القضايا التي قد تمس ثقة المواطنين في المؤسسات الصحية العمومية، خاصة عندما يتعلق الأمر بادعاءات تفيد باستغلال المرضى أو توجيههم إلى مؤسسات خاصة مقابل مبالغ مالية.
وفي المقابل، يفرض هذا النوع من الملفات احترام مبدأ أساسي في دولة القانون، وهو قرينة البراءة، إذ إن التوقيف الاحتياطي لا يشكل إدانة، وإنما إجراء إداري احترازي يهدف إلى ضمان سير البحث في ظروف طبيعية، بعيدًا عن أي تأثير محتمل، مع ترك الكلمة الأخيرة لنتائج التحقيق والهيئات المختصة.
وتثير القضية أيضًا إشكالية طالما أثيرت داخل القطاع الصحي، وتتعلق بالحدود الفاصلة بين ممارسة الأطباء لمهامهم داخل المستشفيات العمومية، وبين أنشطتهم في القطاع الخاص، وهي مسألة تستوجب وضوحًا أكبر في القواعد المؤطرة لها، بما يحمي حق المريض في العلاج داخل المرفق العمومي، ويصون في الوقت نفسه حقوق الأطر الصحية من أي اتهامات غير مثبتة.
كما أن سرعة تفاعل المصالح الجهوية لوزارة الصحة، من خلال إيفاد لجنة إدارية لمعاينة الوقائع والاستماع إلى مختلف الأطراف، تعكس توجهًا نحو تفعيل آليات المراقبة الداخلية وربط المسؤولية بالمحاسبة، وهي مقاربة تظل رهينة بمدى التزامها بالشفافية والحياد واحترام الضمانات القانونية لجميع الأطراف.
وفي انتظار ما ستسفر عنه الأبحاث الإدارية والتأديبية، تبقى هذه القضية مناسبة لإعادة طرح أسئلة جوهرية حول سبل تعزيز الثقة في المستشفى العمومي، وتطوير آليات استقبال شكايات المواطنين ومعالجتها، وتشديد الرقابة على أي ممارسات قد تؤثر في مبدأ تكافؤ الولوج إلى العلاج.
ويبقى الحسم النهائي في هذا الملف بيد الجهات المختصة، التي يقع على عاتقها التحقق من الوقائع وترتيب المسؤوليات عند الاقتضاء، أو رفع أي شبهة إذا ثبت عدم صحتها، بما يحقق التوازن بين حماية حقوق المرضى وضمان حقوق الأطر الصحية، ويعزز مصداقية المؤسسات الصحية العمومية.

