Site icon جريدة صفرو بريس

بين الشك والبراءة: مأساة استاذ ومسار الاتهامات الكيدية في قطاع التعليم

في تيزنيت، عاشت أسرة التعليم صدمة جديدة، تجسدت في قضية الأستاذ “م.ا”، الذي كان ضحية تهمة هتك عرض قاصر، قضت المحكمة الابتدائية بسجنه خمس سنوات، قبل أن تصدر محكمة الاستئناف بأكادير حكما نهائيا ببراءته، ملغية الحكم الابتدائي، ومحمّلة الخزينة العامة الصائر. هذه القضية لم تكن مجرد نزاع قضائي، بل مثال صارخ على هشاشة المسار المهني للأساتذة أمام شكايات غير مدعومة بالأدلة، وما يترتب على ذلك من آثار نفسية واجتماعية وصحية على المعلم وأسرته.

بدأت القصة بتقرير من المديرية الإقليمية للتعليم بتيزنيت في 9 دجنبر 2024، خلّف توقيف الأستاذ عن العمل وتجميد راتبه، باستثناء التعويضات العائلية، وهو قرار اتخذ قبل صدور أي حكم قضائي نهائي، بناء على شبهة تحرّش. هذا التجميد أثر بشكل مباشر على حياته، فالأستاذ اضطر لإجراء عمليتين جراحيتين في القلب، بينما عانى أبناؤه من صعوبات في متابعة دراستهم الجامعية، في حين تعرضت أسرته لضغط نفسي واجتماعي هائل.

خلال نظر القضية أمام محكمة الاستئناف، كشفت التحقيقات أن الأدلة المادية والاعترافات اللازمة لإدانة الأستاذ لم تكن موجودة. شهادة تلميذة أخرى لم تؤكد وقوع أي فعل مخل، والتقرير الطبي أثبت عدم وجود أي أثر للاعتداء، ليتم الاستناد إلى قاعدة قانونية أساسية: الشك يُفسر لصالح المتهم. هذه البراءة، على الرغم من أهميتها، لم تمحُ الضرر النفسي والاجتماعي الذي عانى منه الأستاذ خلال فترة التوقيف الطويلة.

مع صدور البراءة، تحول التركيز نحو المجلس التأديبي التابع للأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين بجهة سوس ماسة، الذي أصبح مُطالبًا بتصحيح الوضع الإداري، وتمكين الأستاذ من العودة إلى عمله، وتسوية وضعيته المالية وإعادة راتبه المتوقف، باعتبار أن العدالة لم تكتمل إلا بإنصافه إداريًا ومادياً بعد القضاء على التهم.

القضية تفتح باب التساؤل حول ظاهرة الشكايات الكيدية في قطاع التعليم، والتي قد تُستخدم أحيانًا كسلاح لتدمير المسارات المهنية والأسرية للأساتذة، حتى قبل التأكد من صحة الادعاءات. فهي تؤكد الحاجة الماسة إلى آليات تحقق دقيقة وسريعة، تحمي المعلمين من تأثير الاتهامات غير المثبتة، وتضمن استقرار العملية التعليمية، دون التضحية بحقوق الإنسان والكرامة المهنية.

في النهاية، تظل براءة الأستاذ “م.ا” أكثر من مجرد حكم قضائي؛ إنها دعوة لإعادة النظر في كيفية تعامل المؤسسات التعليمية مع الاتهامات، وتأكيد على ضرورة حماية المعلم والمهنة من تداعيات الشكايات الكيدية، لتكون العدالة حقيقية، شاملة، ومتوازنة بين القانون والإنسانية.

Exit mobile version