في الوقت الذي تسابق فيه الأندية الإفريقية الزمن للحاق بكرة القدم الحديثة، ما تزال بعض الملاعب في القارة تعيش على إيقاع الطقوس الغامضة، بين بخور يتصاعد قرب خط التماس، وتمائم تُدفن في العشب، وأشخاص يتحركون في صمت وكأنهم داخل مسرح للأرواح لا مباراة لكرة القدم.
آخر فصول هذا المشهد جاء من السنغال، حيث وجدت الرابطة الاحترافية نفسها مضطرة لفتح تحقيق رسمي بعد تداول مشاهد وصفت بـ”الشعوذة” خلال مباريات الدوري بقسميه الأول والثاني. صور أثارت جدلا واسعا، وأعادت إلى الواجهة سؤالا قديما: هل ما تزال بعض الفرق تؤمن بأن الفوز يصنعه “الساحر” أكثر من المدرب؟
الرابطة السنغالية لم تُخف انزعاجها، واعتبرت أن ما حدث لا يسيء فقط لصورة البطولة، بل يضرب في العمق مشروع الاحتراف الذي تحاول الكرة السنغالية بناءه منذ سنوات. فحين تُصرف الملايين على التكوين والتأطير والبنية التحتية، يصبح من العبث أن يتحول مستودع الملابس إلى فضاء للتمائم والطقوس الغريبة.
المفارقة أن السنغال نفسها تُقدَّم اليوم كواحدة من أنجح التجارب الكروية في إفريقيا، بعد تتويج منتخبها بكأس إفريقيا وبروز نجومها في أكبر الدوريات الأوروبية. لكن خلف هذا الوجه العصري، يبدو أن بعض العقليات لا تزال عالقة في زمن الاعتقاد بأن مباراة كرة القدم يمكن حسمها بطقوس غامضة أكثر من الجمل التكتيكية والعمل التقني.
ظاهرة الشعوذة في الملاعب ليست جديدة، فهي تمتد في عدد من البطولات الإفريقية، بل تحولت أحيانا إلى جزء من “الفولكلور الكروي”. غير أن الخطير هو عندما تنتقل من الهامش إلى العلن، وتصبح مادة تتداولها الجماهير ووسائل الإعلام، بما يضرب مصداقية المنافسة الرياضية نفسها.
كرة القدم الحديثة لم تعد مجرد تسعين دقيقة فوق العشب، بل صناعة كاملة تقوم على التسويق والصورة والاستثمار. وأي بطولة تريد جذب الرعاة والمستثمرين لا يمكنها أن تسمح ببقاء مشاهد أشخاص يدفنون أشياء غامضة قرب المرمى أو يرشون سوائل مجهولة في أرجاء الملعب.
السنغال اليوم أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإصدار البلاغات وفتح التحقيقات، أم تذهب نحو قرارات حازمة تنهي هذا العبث؟ لأن الجماهير قد تتسامح مع خسارة فريقها، لكنها لن تتقبل أن يتحول الدوري إلى ساحة صراع بين “السحرة” بدل اللاعبين.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأكثر سخرية: إذا كانت الشعوذة قادرة فعلا على حسم المباريات، فلماذا لا نرى “المشعوذين” يقودون أندية العالم إلى كل الألقاب؟
بين التمائم والبخور.. فضيحة “الشعوذة” تضع الكرة السنغالية في موقف محرج

