في مدينة أبي الجعد، اختارت ليلى بنعلي، وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة وعضوة حزب الأصالة والمعاصرة، أن تضع ملف استفادة أقاليم جهة بني ملال خنيفرة من ثرواتها الطبيعية في قلب مداخلتها الحزبية، مؤكدة أن الرهان خلال السنوات المقبلة هو تحويل عائدات الفوسفاط والمناجم والاستثمارات إلى أثر ملموس على حياة المواطنين والتنمية الترابية.
كلام جميل إلى درجة أن المواطن قد يعتقد للحظة أن شاحنة من الفوسفاط ستتوقف أمام منزله، أو أن منجما سيقرر فجأة توزيع أرباحه على سكان المنطقة، أو أن الاستثمارات ستخرج من مكاتبها المكيفة وتتجه مباشرة نحو القرى والمداشر بحثا عن أصحابها.
لكن المشكلة، كما يعرف أبناء المنطقة جيدا، ليست في اكتشاف وجود الثروات الطبيعية، فالفوسفاط موجود والمناجم موجودة والاستثمارات موجودة، وحتى الوعود موجودة منذ سنوات. السؤال الحقيقي هو: متى ستصل الثروة إلى المواطن؟
فالمنطقة غنية بما يكفي لكي تسمع عن الفوسفاط والمناجم في كل مناسبة، لكنها تبدو فقيرة بما يكفي لكي يظل المواطن يسأل عن نصيبه من هذه الثروة.
ولعل أكثر ما يثير السخرية في الموضوع هو عبارة “السنوات المقبلة”. فالمواطن الذي انتظر طويلا لتحسين ظروف العيش، وتوفير فرص الشغل، وتقوية الخدمات الصحية والتعليمية، وتطوير البنيات التحتية، أصبح خبيرا في مفهوم “المستقبل”. كلما سأل عن التنمية قيل له: السنوات المقبلة، وكلما سأل عن الشغل قيل له: المشاريع القادمة، وكلما سأل عن نصيبه من الثروة قيل له: سنحول العائدات إلى أثر ملموس.
وبين “القادم” و”المقبل” و”المستقبل”، يكون الفوسفاط قد غادر، والمنجم اشتغل، والاستثمار استفاد، بينما المواطن لا يزال ينتظر وصول ذلك “الأثر الملموس”.
أما التنمية الترابية، فهي بدورها تبدو وكأنها موظف شبح: الجميع يتحدث عنها، والجميع يؤكد أهميتها، لكن المواطن عندما يبحث عنها في الواقع قد يحتاج إلى استعمال جهاز كشف المعادن.
والأغرب أن الحديث عن استفادة المنطقة من ثرواتها يأتي في لقاء حزبي، وكأن الثروة الطبيعية تحتاج إلى بطاقة انخراط حزبي حتى تجد طريقها إلى التنمية. المواطن لا يريد خطبا انتخابية ولا عبارات براقة، بل يريد أن يرى انعكاس تلك الثروات في حياته اليومية: مستشفى محترما، مدرسة لائقة، طرقا جيدة، فرص شغل، ومشاريع حقيقية تمنح أبناء المنطقة سببا للبقاء بدل البحث عن مستقبلهم في مدن أخرى.
لقد سمع سكان بني ملال خنيفرة كثيرا عن قيمة ما يوجد تحت أقدامهم، وربما حان الوقت ليتحدث المسؤولون أكثر عما يوجد فوق أقدامهم: مناصب الشغل، الخدمات، التنمية والعدالة المجالية.
فالرهان الحقيقي ليس أن نكتشف أن المنطقة غنية، فهذا أمر يعرفه الجميع، وإنما أن يتوقف المواطن عن الشعور بأنه يعيش فوق الثروة ويعيش في الوقت نفسه خارج حساباتها.
وإلى أن يتحول الفوسفاط والمناجم والاستثمارات إلى “أثر ملموس”، سيبقى المواطن مضطرا إلى الانتظار… وربما يحتاج قبل ذلك إلى معرفة شيء واحد فقط: كم سنة بالضبط تعنيها عبارة “السنوات المقبلة”؟ لأن بعض المواطنين يخشون أن يكونوا قد بلغوا “السنوات المقبلة” قبل أن تبلغهم التنمية.

