Site icon جريدة صفرو بريس

النيل من نهر للحياة إلى ساحة صراع بين مصر وإثيوبيا

لم يعد الخلاف المصري الإثيوبي حول نهر النيل مجرد نزاع تقني بشأن سد أو حصة مائية، بل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى صراع على النفوذ والأمن والمستقبل الاقتصادي في شرق إفريقيا. ومع التصريحات الإثيوبية الأخيرة حول بناء سدود إضافية على النيل الأزرق، عادت القاهرة إلى لغة التحذير، مؤكدة أنها لن تقبل بأن تتحول إثيوبيا إلى طرف يتحكم منفرداً في تدفقات المياه نحو دول المصب.

ولفهم خطورة المواجهة الحالية، لا بد من العودة إلى جذورها. فقد بدأت مشكلة توزيع مياه النيل في سياق تاريخي تعود بعض أهم محطاته إلى الاتفاقيات التي أبرمت خلال الحقبة الاستعمارية. اتفاقية 1929 منحت مصر وضعاً مميزاً في مياه النيل، ثم جاءت اتفاقية 1959 بين مصر والسودان لتحدد لمصر 55.5 مليار متر مكعب سنوياً مقابل 18.5 مليار للسودان، بينما لم تكن إثيوبيا طرفاً في هذه الاتفاقية.

ومن هنا نشأ أحد جذور الخلاف: مصر تنظر إلى تلك الترتيبات باعتبارها أساساً لحقوقها التاريخية، بينما ترى إثيوبيا أن الاتفاقيات القديمة أُبرمت من دون مشاركتها، وأن لها الحق في استغلال الموارد المائية الموجودة داخل أراضيها من أجل التنمية.

لكن نقطة التحول الكبرى جاءت سنة 2011، عندما بدأت إثيوبيا بناء سد النهضة على النيل الأزرق. بالنسبة إلى أديس أبابا، المشروع يمثل أداة للتنمية وإنتاج الكهرباء، بينما تنظر إليه القاهرة باعتباره مسألة مرتبطة مباشرة بأمنها المائي، خصوصاً أن النيل يمثل المصدر الأساسي للمياه في مصر.

المشكلة أن الخلاف لم يعد مرتبطاً بسد النهضة وحده. فإذا تحولت تصريحات بناء سدود إضافية إلى سياسة دائمة، فإن القاهرة ستواجه واقعاً جديداً: دولة تقع في أعالي النهر تمتلك قدرة أكبر على التأثير في توقيت وحجم تدفقات المياه المتجهة جنوباً.

وهنا تكمن أكبر مخاوف مصر.

فالقضية بالنسبة إليها ليست فقط كمية المياه التي تصل إليها، وإنما إمكانية تحول النيل إلى ورقة ضغط جيوسياسية. وكلما توسعت المشاريع الإثيوبية، أصبحت إدارة المياه أكثر تعقيداً، خصوصاً في سنوات الجفاف التي يكون فيها هامش المناورة أضيق.

لكن التصعيد يحمل أيضاً كلفة على مصر نفسها. فالدخول في مواجهة مفتوحة مع إثيوبيا قد يستنزف القاهرة سياسياً ودبلوماسياً واقتصادياً، ويجعل ملف المياه جزءاً من صراعات إقليمية أوسع في القرن الإفريقي والبحر الأحمر.

كما أن مصر لا تستطيع تجاهل أن إثيوبيا دولة ذات وزن سكاني واقتصادي متزايد، وأنها لن تتعامل بسهولة مع مطلب مصري يقوم على المحافظة على ترتيبات تاريخية تعتبرها أديس أبابا غير عادلة.

لهذا تبدو المعركة الحقيقية أمام القاهرة ليست في إطلاق التحذيرات، وإنما في منع تحول الخلاف إلى صراع دائم. فالحرب على المياه قد تكون سهلة سياسياً في الخطاب، لكنها شديدة التعقيد في الواقع.

وفي المقابل، فإن إثيوبيا نفسها قد تخسر إذا تحولت مشاريعها المائية إلى مصدر دائم للتوتر مع مصر والسودان، لأن النيل ليس ملكاً لدولة واحدة، واستقراره يحتاج إلى قواعد مشتركة وشفافية وتنسيق مستمر.

المعادلة إذن واضحة: مصر تريد ضمان تدفق آمن ومستقر للمياه، وإثيوبيا تريد استغلال مواردها لتحقيق التنمية. وبين الهدفين توجد مساحة يفترض أن تشغلها المفاوضات لا المواجهة.

أما أخطر سيناريو، فهو أن يتحول النيل من عامل يربط شعوب المنطقة إلى أداة للصراع بينها. وفي هذه الحالة لن تكون الخسارة مصرية أو إثيوبية فقط، بل ستكون خسارة لمنطقة بأكملها تحتاج إلى التعاون على المياه أكثر مما تحتاج إلى حرب جديدة عليها.

Exit mobile version