أكدت فاطمة الزهراء المنصوري أن المغاربة والمراكشيين يضعون فيها «كامل الثقة»، معتبرة أن هذه الثقة أقوى من كل الانتقادات والحملات التي تستهدفها. تصريح يحمل قدرا كبيرا من الثقة بالنفس، وربما أكثر مما تسمح به قواعد العمل السياسي التي تجعل المواطن، لا السياسي، صاحب الكلمة الأخيرة في مسألة الثقة.
فإذا كانت الثقة قد أصبحت «كاملة» إلى هذا الحد، فإن السؤال الذي يطرح نفسه بسخرية لا تخلو من جدية هو: لماذا نحتاج أصلا إلى الانتخابات؟ ولماذا ننتظر صناديق الاقتراع ما دام السياسي يستطيع أن يعلن مسبقا أن المواطنين يضعون فيه كامل ثقتهم؟
المشكلة في مثل هذه التصريحات ليست في الثقة بالنفس، فالثقة بالنفس ضرورية لكل سياسي، وإنما في الحديث باسم ملايين المواطنين وكأنهم أصدروا بيانا جماعيا يعلنون فيه ولاءهم السياسي لشخص أو لحزب.
المغاربة ليسوا كتلة واحدة، والمراكشيون ليسوا كذلك. بينهم من يؤيد، ومن يعارض، ومن ينتقد، ومن ينتظر النتائج قبل أن يمنح ثقته، ومن قرر ببساطة أن يبحث عن بديل. وهذه هي طبيعة المجتمع الديمقراطي، حيث لا يمكن اختزال المواطنين في جمهور يصفق للسياسيين.
أما وصف الانتقادات والحملات بأنها مجرد «محاولات تشويش»، فيحتاج بدوره إلى شيء من التروي. فليس كل انتقاد تشويشا، وليس كل سؤال مزعج مؤامرة، وليس كل صحافي أو مواطن يختلف مع المسؤول جزءا من حملة تستهدفه. المسؤول العمومي، بحكم موقعه، مطالب بأن يتقبل النقد أكثر من غيره، لأن السلطة والمسؤولية لا تمنحان حصانة من الأسئلة.
بل إن السياسي الذي لا يسمع إلا عبارات المديح قد يكون في حاجة إلى النقد أكثر من أي وقت مضى. فالانتقاد ليس دائما رغبة في إسقاط الأشخاص، وإنما قد يكون محاولة لدفع المسؤول إلى مراجعة أدائه وتصحيح اختياراته.
ثم إن الثقة السياسية ليست ملكا دائما لأحد. إنها علاقة متحركة بين المواطن والمسؤول، ترتفع عندما تتحسن الأوضاع وتتحقق الوعود، وتنخفض عندما يشعر المواطن بأن الخطاب شيء والواقع شيء آخر.
وفي النهاية، يمكن للسيدة المنصوري أن تكون واثقة إلى أقصى الحدود من حجم الثقة التي تحظى بها، ويمكن لخصومها أن يكونوا واثقين بالقدر نفسه من العكس، لكن لا أحد منهما يملك النتيجة مسبقا.
هناك مكان واحد فقط يمكن أن يجيب عن السؤال: هل يثق المراكشيون فعلا في فاطمة الزهراء المنصوري؟
إنه صندوق الاقتراع.
فالصندوق لا يجامل، ولا يصفق، ولا يكتب بيانات، ولا يصف الانتقادات بأنها تشويش. إنه ببساطة يحول «الثقة» المعلنة إلى أرقام.
وعندها فقط سيتضح إن كانت عبارة «المراكشيون يضعون فيّ كامل الثقة» حقيقة سياسية، أم مجرد تقدير شخصي صادر عن صاحبته.
إلى ذلك الحين، يبقى من حق المواطنين أن يسألوا وينتقدوا ويختلفوا، ومن حق السياسيين أن يدافعوا عن حصيلتهم، لكن ليس من حق أي طرف أن يتحدث باسم المواطنين جميعا.
ففي الديمقراطية، لا أحد يملك ثقة الشعب مسبقا؛ الشعب وحده هو من يمنحها، والشعب وحده هو من يستطيع سحبها.
المنصوري: المغاربة والمراكشيون يضعون فيّ كامل الثقة»… وهل يحتاج الأمر إلى انتخابات؟

