كشف نزار بركة، وزير التجهيز والماء والغابات، عن إطلاق استراتيجية جديدة لتعزيز الأمن المائي بالمملكة، في إطار توجه يروم مواجهة تداعيات التغيرات المناخية وتوالي فترات الجفاف، والاستعداد للتقلبات المرتبطة بالتساقطات المطرية وارتفاع درجات الحرارة ومخاطر الفيضانات.
وأوضح الوزير، خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب، أن الاستراتيجية الجديدة تقوم على مقاربة متعددة المحاور، تجمع بين تسريع إنجاز السدود الكبرى والمتوسطة، وتوسيع مشاريع تحلية مياه البحر، وتعزيز الربط بين الأحواض المائية، إلى جانب ترشيد الاستهلاك وحماية الموارد الجوفية من الاستنزاف.
وفي ما يتعلق بتقوية البنية التحتية لتخزين المياه، أشار بركة إلى مواصلة إنجاز 17 سدا كبيرا تبلغ سعتها التخزينية الإجمالية نحو 5.4 مليارات متر مكعب، فضلا عن ستة سدود متوسطة توجد في طور الإنجاز، مع برمجة ثلاثة سدود متوسطة إضافية، وإطلاق مشاريع 12 سدا جديدا بطاقة تخزينية تقدر بنحو 4.9 مليارات متر مكعب. وتندرج هذه المشاريع ضمن هدف رفع القدرة التخزينية الإجمالية للسدود الوطنية إلى 27 مليار متر مكعب بحلول سنة 2031.
وبالتوازي مع سياسة بناء السدود، تراهن الاستراتيجية على تحلية مياه البحر باعتبارها أحد المصادر البديلة لتأمين التزود بالماء الصالح للشرب، حيث يستهدف البرنامج رفع الطاقة الإنتاجية لمحطات التحلية إلى 1.8 مليار متر مكعب سنويا في أفق 2031، بما سيمكن من تغطية حوالي 60 في المائة من الحاجيات الوطنية من مياه الشرب.
ويشمل البرنامج عددا من المشاريع الموزعة على جهات المملكة، من بينها محطات الدار البيضاء والناظور والدريوش وطنجة وسوس ماسة وتيزنيت، فضلا عن مشاريع أخرى مرتقبة في طانطان وكلميم والرباط، إلى جانب توسيع بعض المحطات القائمة. ويواكب ذلك التوجه نحو اعتماد الطاقات المتجددة في تشغيل منشآت التحلية، بما يساعد على الحد من كلفة الإنتاج وتعزيز استدامة هذه المشاريع.
أما على مستوى الربط بين الأحواض المائية، فتسعى الوزارة إلى تطوير البنية التحتية التي تسمح بتحويل المياه من المناطق التي تعرف فائضا نسبيا إلى المناطق التي تواجه خصاصا، بما يساهم في تحسين التوزيع المجالي للموارد المائية والتخفيف من حدة التفاوت بين الجهات.
وتأتي هذه التدابير في سياق تحديات مائية متزايدة، إذ أشار الوزير إلى أن 53 في المائة من التساقطات المطرية بالمغرب تتركز في 7 في المائة فقط من مساحة المملكة، وهو ما يبرز حجم الاختلال في التوزيع الجغرافي للمياه، ويجعل تدبير الموارد المتاحة وتطوير وسائل تخزينها ونقلها من الأولويات الاستراتيجية.
ولا تقتصر رهانات الأمن المائي على تعبئة موارد إضافية، بل تمتد أيضا إلى حماية الفرشات المائية الجوفية، والحد من الاستغلال المفرط لها، وتحسين مردودية شبكات التوزيع، وترشيد الاستعمال، مع إيلاء اهتمام خاص للمناطق القروية والجبلية التي تواجه تحديات مرتبطة بصعوبة التزود بالماء.
وتعكس هذه الاستراتيجية تحولا في مقاربة تدبير الماء بالمغرب، من الاعتماد أساسا على التساقطات والسدود إلى تنويع مصادر الإمداد وتطوير حلول تقنية وبنيوية طويلة الأمد. غير أن نجاح هذه الأوراش سيظل مرتبطا بمدى احترام آجال الإنجاز، وضمان نجاعة التدبير، وتحقيق العدالة في توزيع الموارد، حتى تنعكس الاستثمارات الكبرى بصورة ملموسة على حياة المواطنين والأنشطة الفلاحية والاقتصادية.

