لم يعد حضور المغرب في المؤشرات الدولية المرتبطة بالأمن مقتصرا على مجال بعينه، إذ تكشف نتائج مؤشر الأمن العام العالمي 2025-2026 عن موقع متقدم للمملكة ضمن مجموعة الدول التي جرى تقييمها في عدد من الملفات الأمنية الحساسة، في وقت أصبحت فيه معايير الاستقرار تتجاوز المفهوم التقليدي للأمن لتشمل الإرهاب والفضاء الرقمي والسلامة على الطرق.
وبحسب نتائج المؤشر الذي أعلن عنه على هامش المنتدى العالمي للتعاون في مجال الأمن العام المنعقد بمدينة ليانيونقانغ الصينية، حصل المغرب على 76.15 نقطة في التقييم العام، ليكون الدولة الإفريقية الوحيدة التي حضرت ضمن قائمة الدول العشرين المشمولة بالتقرير.
ولا يقدم المؤشر ترتيبا تنازليا للدول العشرين بحسب مجموع النقاط، وإنما يعرضها بالترتيب الأبجدي، وهو ما يجعل الحديث عن احتلال المغرب المرتبة العشرين عالميا غير دقيق. والأهم في النتيجة هو إدراج المملكة ضمن المجموعة المختارة، إلى جانب دول حققت نتائج مرتفعة في عدد من المؤشرات الأمنية المختلفة.
وتبرز الأرقام بشكل خاص في مجال مكافحة الإرهاب، حيث نال المغرب 87.45 نقطة، وهي النتيجة التي وضعته في المرتبة التاسعة داخل مجموعة الدول العشرين. ويعكس هذا المعطى، وفق منهجية المؤشر، مستوى القدرات المرتبطة برصد التهديدات الإرهابية والتعامل معها والحد من مخاطرها.
وفي المجال الرقمي، سجل المغرب بدوره 71.73 نقطة في الأمن السيبراني، محتلا المرتبة التاسعة ضمن المجموعة نفسها. ويكتسب هذا الجانب أهمية متزايدة في ظل انتقال جزء متنام من المخاطر الأمنية إلى الفضاء الإلكتروني، وما يرافق ذلك من جرائم رقمية وتهديدات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي وحماية الأنظمة والبيانات.
أما في محور النظام العام والأمن، فقد بلغ رصيد المملكة 73.82 نقطة، بينما سجلت 71.50 نقطة في السلامة الطرقية، بما يعكس اعتماد المؤشر على مقاربة واسعة للأمن، لا تختزله في محاربة الجريمة أو الإرهاب، وإنما تربطه أيضا بقدرة المؤسسات على الوقاية من المخاطر وحماية الأرواح والحفاظ على الاستقرار في الحياة اليومية.
وعلى رأس القائمة من حيث مجموع النقاط، جاءت الصين بـ84.62 نقطة، تلتها سنغافورة بـ84.42 نقطة، ثم أوزبكستان بـ83.81 نقطة، فبيلاروسيا بـ82.24 نقطة وتركمانستان بـ82.20 نقطة، بينما سجلت فيتنام 76.96 نقطة وطاجيكستان 76.37 نقطة.
وتقوم المنهجية المعتمدة على أربعة مكونات رئيسية، لكل واحد منها مجموعة من المعايير الخاصة به. ففي الأمن والنظام العام، يتم النظر إلى مؤشرات من بينها جرائم القتل، والجرائم المرتبطة بالأسلحة والمخدرات، والهجمات الإرهابية وضحاياها، إلى جانب تقدير المخاطر الأمنية الراهنة والمستقبلية.
وفي مكافحة الإرهاب، لا يقتصر التقييم على عدد العمليات أو ضحاياها، بل يشمل أيضا طبيعة مستوى التهديد، واحتمالات تطوره، ومدى جاهزية المؤسسات وآليات الحكامة المعتمدة لمواجهته.
أما الأمن السيبراني، فأصبح بدوره مقياسا أساسيا للقدرة الأمنية للدول، من خلال رصد الجرائم الإلكترونية والمخاطر المرتبطة بالتكنولوجيات الحديثة والذكاء الاصطناعي، فضلا عن تقييم البنية المؤسساتية وقدرات الحماية والاستجابة للتهديدات الرقمية.
وفي الجانب المتعلق بالسلامة الطرقية، يعتمد التقييم على مؤشرات حوادث السير والوفيات الناتجة عنها، إضافة إلى مستوى المخاطر والسياسات العمومية والإجراءات المعتمدة للحد من الخسائر البشرية على الطرق.
وجاء الكشف عن هذه النتائج في سياق المنتدى العالمي للتعاون في مجال الأمن العام 2026، الذي شهد مشاركة أكثر من 2100 ممثل عن 139 دولة ومنطقة ومنظمة دولية، في لقاء خصص لبحث سبل تطوير التعاون الدولي في مواجهة التحديات الأمنية الجديدة والمتسارعة.
وتكتسب النتيجة المغربية دلالتها الأساسية من كون المملكة جاءت ضمن المجموعة العشرين المختارة، ومن كونها الدولة الإفريقية الوحيدة الحاضرة فيها، إلى جانب تسجيلها نتائج لافتة خصوصا في مكافحة الإرهاب والأمن السيبراني.
وبذلك، تقدم نتائج المؤشر صورة عن تحول مفهوم الأمن في الحالة المغربية من مقاربة تركز على حماية النظام العام إلى منظومة أوسع تتقاطع فيها مكافحة الإرهاب مع الأمن الرقمي والسلامة الطرقية والقدرة المؤسساتية على توقع المخاطر والتعامل معها، وهي عناصر باتت تشكل جزءا متزايدا من معايير تقييم الدول في المشهد الأمني الدولي.

