Site icon جريدة صفرو بريس

المغرب يتحدث باسم إفريقيا.. الشباب في قلب معركة السلام والتنمية

في خطوة تعكس الحضور الدبلوماسي للمملكة المغربية داخل المؤسسات الإفريقية والدولية، تولى المغرب، اليوم الخميس بنيويورك، دور المتحدث الرئيسي باسم مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي، بشأن موضوع «الشباب والسلام والأمن»، وذلك خلال الندوة المشتركة غير الرسمية الحادية عشرة بين المجلس الإفريقي ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

ويأتي هذا الحضور في سياق تتزايد فيه الحاجة إلى مقاربات جديدة لمعالجة النزاعات الإفريقية، بعيدا عن الاقتصار على التدخلات الأمنية، وباتجاه تعزيز الوقاية والحوار وإشراك الفئات التي تشكل القوة البشرية الأساسية لمستقبل القارة، وفي مقدمتها الشباب.

ومن خلال الكلمة التي ألقاها السفير الممثل الدائم للمملكة لدى الاتحاد الإفريقي ولجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لإفريقيا، محمد عروشي، سلط المغرب الضوء على الدور الذي يمكن أن يضطلع به الشباب في منع النزاعات وتسويتها، وترسيخ السلام، وتعزيز الحكامة الديمقراطية، فضلا عن مساهمتهم المتنامية في الوساطة والتماسك الاجتماعي ومواجهة التهديدات الأمنية المستجدة.

وتكتسب هذه المقاربة أهميتها من واقع إفريقي يضع الشباب أمام تحديات متعددة، تتداخل فيها البطالة ومحدودية الفرص الاقتصادية مع النزاعات والتوترات الاجتماعية وانتشار المعلومات المضللة. وفي مثل هذه الظروف، لا يمكن بناء سلام مستدام بمجرد إخماد بؤر التوتر، بل يتطلب الأمر معالجة الأسباب التي تغذيها، وفتح المجال أمام الشباب للمشاركة في صناعة القرار وتحمل المسؤولية داخل مجتمعاتهم.

ومن هذا المنطلق، شدد المغرب على ضرورة الانتقال من الاعتراف النظري بأهمية الشباب إلى ضمان مشاركتهم الفعلية في مسارات السلام والدبلوماسية الوقائية، عبر تمكينهم من الحضور في آليات الحوار ومبادرات بناء السلام على المستويين الوطني والإقليمي.

فالرهان لا يتعلق فقط بمنح الشباب فرصة للتعبير عن آرائهم، وإنما بإشراكهم في صياغة الحلول، والاستفادة من قدراتهم في الوساطة والتواصل وبناء الثقة بين مكونات المجتمع. وكلما اتسعت مساحات المشاركة أمامهم، أصبحت إمكانية تحويل طاقاتهم إلى قوة داعمة للاستقرار أكثر ارتباطا بالسياسات العمومية والمؤسسات القادرة على احتضان مبادراتهم.

ولم يفصل الطرح المغربي بين السلام والتنمية الاقتصادية، إذ أكد السفير محمد عروشي أهمية ربط أجندة الشباب والسلام والأمن بالتمكين الاقتصادي والتنمية المستدامة، من خلال توسيع الفرص المتاحة في مجالات ريادة الأعمال والابتكار والتجارة والطاقة والتكنولوجيات الحديثة.

وهنا تبرز معادلة أساسية تواجه العديد من الدول الإفريقية: لا يكفي مطالبة الشباب بالمساهمة في حفظ الاستقرار إذا لم تقترن هذه الدعوة بفرص حقيقية للشغل والتكوين والمبادرة. فالتنمية ليست مسارا موازيا للسلام، بل أحد الشروط التي تساعد على ترسيخه، وتمنح الأجيال الصاعدة أسبابا عملية للمشاركة في بناء مستقبل بلدانها.

كما امتد النقاش إلى التحديات الجديدة التي باتت تؤثر في السلم والأمن، وفي مقدمتها التغير المناخي والتضليل الإعلامي والاستخدام المسؤول للتكنولوجيات الرقمية والذكاء الاصطناعي. وهي تحديات تتطلب وعيا رقميا متزايدا، ومؤسسات قادرة على مواكبة التحولات التكنولوجية، وشبابا يمتلك المهارات اللازمة للتعامل معها بصورة مسؤولة وفعالة.

ويكتسي هذا البعد أهمية خاصة في ظل التحولات التي تعرفها وسائل التواصل والفضاءات الرقمية، حيث أصبحت المعلومة المضللة قادرة على تغذية التوترات، فيما يمكن للتكنولوجيا، إذا أحسن توظيفها، أن تتحول إلى أداة للإنذار المبكر، وتبادل المعرفة، وتعزيز الحوار المجتمعي.

إن تولي المغرب مهمة التحدث باسم مجلس السلم والأمن الإفريقي في هذا الموضوع يسلط الضوء على حضوره في النقاشات المتعلقة بأولويات القارة، وعلى أهمية الدبلوماسية التي تربط بين الاستقرار السياسي والتنمية البشرية والتمكين الاقتصادي. كما يبرز أن معالجة التحديات الإفريقية تحتاج إلى مقاربة شاملة تجعل الشباب جزءا من الحل، لا مجرد فئة تنتظر نتائج القرارات المتخذة باسمها.

فالسلام الذي لا يمنح الشباب أملا في المستقبل يظل عرضة للاهتزاز، والتنمية التي لا تفتح أمامهم أبواب المشاركة تفقد جزءا من قدرتها على الاستمرار. وبين هذين الرهانين، يبرز إشراك الشباب باعتباره استثمارا في أمن القارة واستقرارها وقدرتها على مواجهة التحولات المقبلة.

ومن نيويورك، يضع المغرب هذه القضية ضمن النقاش الإفريقي والدولي، مؤكدا أن مستقبل السلام في القارة لا يتوقف على ما تملكه الدول من إمكانات أمنية فحسب، بل يرتبط أيضا بما تمنحه لأجيالها الجديدة من فرص للابتكار والعمل والمشاركة في صنع القرار.

فحين يتحول الشباب من متلق للقرارات إلى شريك في صناعتها، يصبح السلام مشروعا مجتمعيا تتقاسمه المؤسسات والمواطنون، وتتحول التنمية من شعار إلى أفق ملموس لمستقبل إفريقيا.

Exit mobile version