في زمن تتشابك فيه خرائط التهديد وتتغير فيه طبيعة الإرهاب من تنظيمات هرمية إلى شبكات مرنة وعابرة للحدود، لم يعد الأمن ترفًا سياسيًا، بل صار ركيزة وجودية لأي دولة تسعى إلى الاستقرار. داخل هذا السياق المعقّد، يبرز المغرب كحالة خاصة، ليس فقط لأنه نجا من موجات العنف التي ضربت محيطه، بل لأنه أعاد تعريف كيفية التعامل مع الخطر قبل أن يتحول إلى واقع.
تصنيف مؤشر الإرهاب العالمي (GTI) لم يأت ليمنح المغرب شهادة تقدير شكلية، بل عكس مسارًا طويلًا من العمل الهادئ والعميق داخل مؤسسات الدولة. فالمسألة هنا لا تتعلق بعدد العمليات المُحبطة فقط، بل بطريقة التفكير التي تقود المنظومة الأمنية: الانتقال من منطق الانتظار إلى منطق المبادرة، ومن رد الفعل إلى الفعل الاستباقي.
لقد فهم المغرب مبكرًا أن الإرهاب لا يُهزم فقط في لحظة المواجهة، بل في اللحظة التي يُمنع فيها من التشكل. لذلك، لم تُبنَ الاستراتيجية الأمنية على التدخل بعد وقوع الخطر، بل على تفكيك شروطه قبل أن ينضج. هذا التحول في العقيدة الأمنية هو ما منح الأجهزة المختصة قدرة لافتة على رصد الخلايا في مراحلها الأولى، وإحباط مشاريعها وهي لا تزال في طور الفكرة.
وفي قلب هذه الدينامية، برزت أجهزة متخصصة نجحت في الجمع بين الحرفية الاستخباراتية والسرعة العملياتية، حيث لم تعد المواجهة الأمنية مجرد مداهمات، بل صارت عملية دقيقة تقوم على تحليل المعطيات، وتتبع المؤشرات، وبناء صورة شاملة عن التهديد. هذا النوع من العمل هو ما جعل المغرب يبدو وكأنه “يسبق الحدث” بدل أن يلاحقه.
غير أن قوة التجربة المغربية لا تكمن فقط في فعاليتها الأمنية، بل في شموليتها. فالدولة لم تنظر إلى التطرف باعتباره انحرافًا أمنيًا فقط، بل كظاهرة مركّبة تتداخل فيها عوامل اجتماعية وثقافية ودينية. ومن هنا، جاءت سياسات تأطير الحقل الديني، وإعادة هيكلة الخطاب الديني، وبرامج إعادة الإدماج، كجزء من معركة تُخاض بالعقل بقدر ما تُخاض بالأدوات الصلبة.
هذا التوازن بين الصرامة والوقاية منح النموذج المغربي بعدًا إضافيًا، وجعل منه محل اهتمام دولي متزايد. فالثقة التي راكمها المغرب لم تأتِ من فراغ، بل من مساهماته الملموسة في حماية أمن خارج حدوده، عبر تبادل معلومات دقيقة ساعدت شركاءه على تفادي هجمات كانت ستكلف الكثير. وهنا، لم يعد المغرب مجرد دولة تؤمّن نفسها، بل فاعلًا يساهم في استقرار فضاء أوسع.
ورغم هذا المسار المتقدم، لا يبدو أن المغرب وقع في فخ الاطمئنان. على العكس، تتعامل مؤسساته مع الأمن باعتباره ورشًا مفتوحًا، يتطلب تحديثًا دائمًا للأدوات، واستثمارًا في التكنولوجيا، ومواكبة لتحولات الفضاء الرقمي الذي أصبح أحد أهم ساحات اشتغال الجماعات المتطرفة.
في النهاية، لا يمكن قراءة التجربة المغربية في بعدها الأمني كنجاح ظرفي، بل كنموذج في كيفية تحويل التحديات إلى سياسات عمومية متماسكة. فحين يصبح الأمن رؤية استراتيجية، وليس مجرد رد فعل، تتحول الدولة من موقع الدفاع إلى موقع التحكم، ومن إدارة الأزمات إلى صناعة الاستقرار.
المغرب… حين يتحوّل الأمن إلى استراتيجية دولة لا مجرد ردّ فعل

