تحتل القدرة الشرائية موقعا مركزيا ضمن الملفات التي ينتظر أن تختبر من خلالها حكومة فاطمة الزهراء المنصوري مدى قدرتها على تحويل التزامات برنامجها للفترة 2026-2031 إلى نتائج ملموسة في الحياة اليومية للمغاربة. فبين فاتورة الكهرباء، وتكاليف المواد الغذائية، ومصاريف السكن والنقل، تظل كلفة المعيشة من أكثر القضايا ارتباطا بالاستقرار الاجتماعي، خصوصا لدى الأسر محدودة الدخل والطبقة المتوسطة التي تسعى إلى الحفاظ على توازن ميزانيتها الشهرية.
ويعكس تنوع التدابير المرتبطة بهذا الملف توجها نحو معالجة القدرة الشرائية من أكثر من زاوية، فلا يتعلق الأمر فقط برفع المداخيل أو توسيع الدعم الاجتماعي، وإنما يشمل أيضا العمل على ضبط مسالك التسويق، وتقليص الوسطاء، وتحسين تموين السوق الوطنية، ومراجعة بعض الأعباء الضريبية التي تؤثر في الدخل الصافي للأجراء. وتكمن أهمية هذه المقاربة في أن الضغط الذي تتحمله الأسر لا يرتبط بعامل واحد، بل ينتج عن تداخل الأسعار والمداخيل وتكاليف الخدمات الأساسية.
ومن بين الالتزامات التي تستحق المتابعة، يبرز التوجه نحو إقرار تعويض اجتماعي لفائدة الأسر المستحقة لمواجهة أعباء فاتورة الكهرباء. ويكتسي هذا الإجراء أهمية بالنظر إلى أن الطاقة أصبحت جزءا أساسيا من نفقات الأسر، سواء تعلق الأمر بالإنارة أو استعمال الأجهزة المنزلية أو غيرها من الحاجيات اليومية. ومن شأن توجيه الدعم إلى الفئات التي تواجه صعوبات أكبر في تحمل هذه التكاليف أن يخفف الضغط على ميزانياتها، شريطة تحديد معايير الاستفادة بدقة، وضمان سهولة الولوج إلى التعويض، وتوضيح طريقة احتسابه ومدى ارتباطه بالاستهلاك والوضعية الاجتماعية.
ويطرح هذا التوجه أيضا سؤالا يرتبط بكيفية التوفيق بين حماية الأسر من ارتفاع تكاليف الطاقة وتشجيع الاستهلاك المسؤول، خاصة في سياق تتزايد فيه أهمية النجاعة الطاقية. لذلك، فإن أثر التعويض لن يقاس فقط بقيمته المالية، بل كذلك بمدى انتظامه ووصوله إلى مستحقيه، وبقدرته على تخفيف العبء الفعلي الذي تمثله الفاتورة داخل ميزانية الأسرة.
وفي السياق نفسه، يبرز التعهد برفع الدعم الاجتماعي من 500 إلى 1000 درهم باعتباره أحد الإجراءات التي قد يكون لها أثر مباشر على الأسر المعنية، إذا تم تنزيله وفق الشروط والمعايير التي سيحددها البرنامج الحكومي. فالزيادة في الدعم يمكن أن توسع هامش الإنفاق المتاح لتغطية الحاجيات الأساسية، وتمنح الأسر المستفيدة قدرة أكبر على مواجهة المصاريف اليومية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بأسر تعاني من محدودية الدخل أو تتحمل أعباء اجتماعية متعددة.
لكن أهمية هذا الإجراء ترتبط أيضا بكيفية استهداف المستفيدين، وبمدى تناسب الدعم مع حاجياتهم الفعلية، وبضمان استمراريته ووضوح شروطه. كما أن توسيع الدعم الاجتماعي يمكن أن يحقق أثرا أكبر حين يتكامل مع تحسين خدمات الصحة والتعليم والنقل، بما يقلص النفقات التي تضطر الأسر إلى تحملها من مواردها الخاصة. ويظل من الضروري التمييز بين الالتزام المعلن والزيادة التي دخلت فعليا حيز التنفيذ، حتى تكون متابعة البرنامج قائمة على معطيات دقيقة.
غير أن الأثر النهائي لهذا الإصلاح سيظل مرتبطا بتفاصيله، من حدود الإعفاءات إلى نسب الاقتطاع والشرائح التي ستستفيد من التغييرات. كما أن أي تحسن في الأجر الصافي يحتاج إلى أن يواكبه استقرار نسبي للأسعار، حتى لا تتراجع فائدته بسبب ارتفاع كلفة المواد والخدمات. ومن هنا، فإن الجمع بين إصلاح ضريبة الدخل والسياسات الرامية إلى ضبط الأسعار يمكن أن يمنح الأسر فرصة أفضل لتحسين قدرتها على تدبير نفقاتها.
أما في ما يتعلق بالمواد الغذائية، فيتجه البرنامج نحو معالجة الاختلالات التي قد تقع بين المنتج والمستهلك، من خلال تحسين مسالك التسويق وتقليص حلقات الوساطة التي ترفع الأسعار دون أن تحقق بالضرورة قيمة مضافة مقابلة. فالفارق بين السعر الذي يحصل به المنتج على محصوله والسعر الذي يؤديه المستهلك النهائي يظل من القضايا التي تستدعي دراسة دقيقة، خصوصا في المنتجات الفلاحية التي تتأثر بتكاليف النقل والتخزين والتلف وتعدد المتدخلين.
وتقوم الفكرة الأساسية لهذا التوجه على تحسين تنظيم السوق، وتقوية قنوات التوزيع، وتطوير آليات تسويق أكثر نجاعة، بما يسمح للمنتج بالحصول على مقابل مناسب لعمله، وفي الوقت نفسه يتيح للمستهلك الولوج إلى المواد الأساسية بأسعار أكثر توازنا. غير أن تقليص عدد الوسطاء لا يعني بالضرورة خفض الأسعار تلقائيا، لأن بعض حلقات الوساطة تؤدي وظائف حقيقية في النقل والتخزين والتبريد والتوزيع. لذلك، فإن الرهان يتمثل في الحد من الاختلالات والممارسات غير التنافسية، مع تحسين الخدمات اللوجستية التي تساعد على خفض الكلفة الإجمالية.
ومن بين الملفات الأخرى التي يطرحها البرنامج، تنظيم العلاقة بين التصدير وتموين السوق الوطنية. فالتصدير يشكل رافعة مهمة للاقتصاد الوطني، ويساهم في توفير العملة الصعبة وفتح الأسواق أمام المنتجات المغربية، لكنه يرتبط كذلك بضرورة ضمان توفر المواد الأساسية في السوق الداخلية بأسعار مناسبة. ويكمن التحدي في تحقيق التوازن بين مصالح المنتجين والمصدرين وبين حاجيات المستهلك المغربي، دون الإضرار بالقدرة التنافسية للمنتجات الوطنية أو باستقرار الأسواق الخارجية التي تعتمد عليها قطاعات اقتصادية مهمة.
ويقتضي تحقيق هذا التوازن اعتماد آليات للرصد المبكر لحالة الإنتاج والمخزون والطلب الداخلي، وتحسين تدبير فترات النقص، وتطوير قرارات مرنة تستند إلى معطيات دقيقة حول وضعية كل مادة. كما أن وضوح القواعد المنظمة للتصدير من شأنه أن يمنح الفاعلين الاقتصاديين رؤية أفضل، ويساعد على تجنب القرارات المفاجئة التي قد تؤثر في استثماراتهم، مع الحفاظ على أولوية تموين السوق الوطنية في الحالات التي تستدعي ذلك.
وتندرج فكرة إحداث شركات جهوية ومنصات للتسويق ضمن التوجه الرامي إلى تقريب المنتج من المستهلك وتحسين تنظيم سلاسل التوزيع. ويمكن لهذه الآليات أن تتيح فرصا أوسع لتجميع المنتجات، وتطوير التخزين والنقل، وربط المنتجين بالأسواق ومراكز البيع، خاصة في المناطق التي تتوفر على مؤهلات فلاحية أو بحرية مهمة. كما يمكن أن تساعد على الحد من ضياع المنتجات القابلة للتلف، وتحسين انتظام التموين، وخلق فرص اقتصادية على المستوى الجهوي.
كما أن الشفافية ستكون عنصرا أساسيا في تتبع تنفيذ هذه الوعود، من خلال توضيح الفئات المستفيدة من الدعم، والآجال المحددة لتطبيق الإصلاحات الضريبية، وطريقة تنظيم مسالك التسويق، وحصيلة التدابير المرتبطة بتموين السوق الوطنية. فكلما كانت الأهداف قابلة للقياس، أصبح من الممكن الوقوف على ما تحقق منها، وتحديد الجوانب التي تحتاج إلى تعديل أو تسريع.
وتبقى السنوات الممتدة بين 2026 و2031 فرصة للحكومة من أجل اختبار مدى قدرة هذه التدابير على إحداث تحسن فعلي في ظروف عيش الأسر المغربية. ولا يتعلق الأمر بإصدار حكم مسبق على النتائج، بل بمتابعة مسار التنفيذ ومقارنة الالتزامات بما سيتحقق على أرض الواقع. فرفع الدعم الاجتماعي، وتحسين الدخل الصافي، وتخفيف فاتورة الكهرباء، وإصلاح مسالك التسويق، كلها إجراءات يمكن أن تتكامل فيما بينها، إذا جرى تنزيلها وفق رؤية واضحة وآليات ناجعة.
وفي نهاية المطاف، لن يقاس نجاح البرنامج المرتبط بالقدرة الشرائية بعدد التدابير المعلن عنها، بل بمدى شعور الأسر بتحسن في ميزانياتها الشهرية، وبقدرتها على تلبية حاجياتها الأساسية دون ضغوط متزايدة. وبين دعم المداخيل وضبط الأسواق وتحسين قنوات التوزيع، سيكون التحدي أمام الحكومة هو تحقيق توازن مستدام بين حماية المستهلك، وضمان حقوق المنتج، وتشجيع الاستثمار، والحفاظ على دينامية الاقتصاد الوطني. وهو توازن ستحدد نتائجه الفعلية مدى الوفاء بالوعود التي حملها البرنامج الحكومي إلى المغاربة.

