المغرب

الفيلسوف أخنوش: حين اكتشفنا أن الإنسان هو “أثمن رأسمال”… لكن في مكان آخر

أخنوش لم يعد مجرد رئيس حكومة، بل يبدو أنه دخل مرحلة جديدة من التطور السياسي: مرحلة “الفيلسوف الاقتصادي الوجودي”، حيث يكتشف بين اجتماع وآخر أن الإنسان هو “أثمن رأسمال للأمم”.

اكتشاف خطير بصراحة… يكاد ينافس اكتشاف النار.

للحظة فقط، تخيل المشهد:
رجل أعمال سابق، يطل على المغاربة من منصة حكومية، ويخبرهم بأنهم ليسوا مجرد أرقام في الميزانية، بل “رأسمال”.
هنا لا نعرف هل يجب أن نصفق للفلسفة… أم نبحث عن مكان آمن لرأسمالنا قبل أن يتم إعادة تقييمه في السوق.

في كتب الفلسفة القديمة، كان الإنسان كائناً يفكر، يحلم، يتمرد.
في النسخة الحديثة من الفلسفة الحكومية، الإنسان كائن “قابل للاستثمار”، بشرط أن يصبر، يصمت، ويواصل دفع الفواتير في الوقت المحدد.

أخنوش، الفيلسوف الجديد، لا يشرح “الوجود”، بل يشرح “الغلاء” بطريقة وجودية:
إذا ارتفعت الأسعار، فهذا جزء من تطور الإنسان.
إذا مرض المواطن، فهذا اختبار لصموده.
إذا مات أمام المستشفى، فهذا انتقال من مرحلة “الاستثمار الأرضي” إلى “الاستثمار الأخروي” بدون أوراق إدارية.

في هذه الفلسفة، كل شيء منطقي بشكل مخيف.
حتى البطالة تصبح مجرد “فراغ تأملي طويل” يساعد الشباب على اكتشاف ذواتهم… خصوصاً إذا لم يجدوا مالاً لملء بطونهم أثناء الاكتشاف.

ثم نأتي إلى العبارة السحرية: “الإنسان هو أثمن رأسمال”.

جميل جداً.
لكن السؤال الفلسفي العميق هنا هو:
إذا كان الإنسان رأسمالاً، فمن يملك هذا الرأسمال؟
وهل يخضع لقانون السوق؟
وهل يتم إدراجه في البورصة الوطنية للمعاناة اليومية؟

في هذه المدرسة الفكرية الجديدة، يبدو أن الإنسان يُستثمر فيه… عبر أن يُطلب منه أن يتحمل.
أن يصبر.
أن يفهم الظروف.
أن يقتنع بأن المستشفى ليس مكاناً للعلاج، بل محطة انتظار روحي.
وأن السوق ليس مكاناً للشراء، بل تجربة تأمل في معنى الفقر.

أما المدارس الفكرية القديمة، مثل تلك التي تحدثت عن العدالة الاجتماعية، فكانت بسيطة جداً:
تعليم، صحة، شغل، كرامة.

لكن الفلسفة الخنوشية الحديثة أعمق:
“اصبر، وستكتشف أنك إنسان مُستثمر فيه نظرياً فقط”.

ثم تأتي المفارقة الكبرى:
في الوقت الذي يُعلن فيه أن الإنسان هو الثروة، يكتشف الإنسان نفسه أنه الوحيد الذي لا يملك حساباً في هذه الثروة.

هو فقط يُموّلها.
بالصحة حين يمرض.
وبالسنوات حين يشيخ.
وبالانتظار حين يُهمّش.
وبالصمت حين يُطلب منه أن يكون “إيجابياً”.

وفي نهاية هذه المحاضرة الفلسفية العجيبة، لا نملك إلا أن نرفع السؤال التالي:

هل نحن أمام رئيس حكومة يتحدث عن الإنسان؟
أم أمام إنسان يتحدث عن نفسه بصيغة الغائب، كي لا يراه أحد؟

وفي كل الأحوال، يبقى الدرس الأهم في “مدرسة الفيلسوف أخنوش” واضحاً جداً:
الإنسان هو أثمن رأسمال…
لكن دائماً في الجهة التي لا يمر منها المواطن العادي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى