يبدو أن مشاهد توقيف المنتخبين على خلفية قضايا الفساد لم تعد حالات استثنائية، بل تحولت إلى جزء من واقع سياسي مأزوم، يكشف عن اختلالات عميقة داخل بنية الأحزاب المغربية. وآخر هذه الوقائع توقيف رئيس المجلس الإقليمي لتازة، عبد الإله بعزيز، في سياق شبهات تتعلق بالفساد المالي والإداري، وهي خطوة تعيد النقاش حول مدى تغلغل هذه الظاهرة داخل المؤسسات المنتخبة، وحول طبيعة الأدوار التي أصبحت تلعبها بعض الأحزاب في المشهد العام.
فالمشكل لم يعد مرتبطًا بأفراد معزولين، بقدر ما يعكس نمطًا متكررًا من الوصول إلى مواقع المسؤولية عبر المال والنفوذ، ثم توظيف تلك المواقع لإعادة إنتاج نفس المنطق، في حلقة مغلقة تُفرغ العمل السياسي من معناه الحقيقي. هذا الواقع يطرح بحدة سؤال المعايير داخل الأحزاب: هل ما يزال الالتزام والكفاءة والنزاهة أساسًا للترشيح، أم أن “القابلية للربح الانتخابي” أصبحت المحدد الأول، ولو على حساب سمعة المؤسسات وثقة المواطنين؟
وفي هذا السياق، يبرز حزب عزيز أخنوش كأحد أبرز النماذج التي تُطرح حولها علامات استفهام كبيرة، بحكم قيادته للحكومة ورفعه لشعارات مرتبطة بالثقة والحكامة. غير أن توالي تورط بعض المنتخبين المحسوبين عليه في قضايا فساد يخلق فجوة واضحة بين الخطاب والممارسة، ويضع قيادته أمام مسؤولية سياسية لا يمكن تجاوزها بتوصيف هذه الحالات على أنها معزولة أو فردية.
إن تكرار هذه الوقائع يعمّق أزمة الثقة في العمل الحزبي ككل، ويجعل المواطن ينظر إلى السياسة باعتبارها مجالًا لتحقيق المصالح الخاصة بدل خدمة الصالح العام. فحين يرى المواطن نفس الأسماء أو نفس الأنماط تتكرر في ملفات الفساد، يصبح من الصعب إقناعه بجدوى المشاركة السياسية أو بوجود إرادة حقيقية للإصلاح.
كما أن هذه الظاهرة تكشف عن ضعف في آليات المراقبة الداخلية داخل الأحزاب، التي يفترض أن تقوم بفرز نخبها على أساس النزاهة والمسؤولية، لا على أساس القدرة على حشد الأصوات بأي وسيلة. وهو ما يطرح أيضًا مسؤولية المؤسسات الرقابية، ومدى قدرتها على التدخل الاستباقي بدل الاكتفاء برد الفعل بعد انفجار الفضائح.
وفي ظل هذا الوضع، يصبح الحديث عن تخليق الحياة السياسية ضرورة ملحة، لا كشعار انتخابي، بل كمسار إصلاحي حقيقي يبدأ من داخل الأحزاب نفسها، عبر مراجعة طرق اختيار المرشحين، وتعزيز الشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة بشكل فعلي، لا انتقائي.
فالسياسة، في جوهرها، ليست مجالًا للاغتناء أو توسيع النفوذ، بل أداة لتدبير الشأن العام وخدمة المواطنين. لكن حين تتحول إلى غطاء لممارسات الريع والفساد، فإنها تفقد مشروعيتها، وتتحول من حل إلى جزء من المشكلة. وفي غياب إصلاح عميق، ستظل هذه الوقائع تتكرر، وسيظل المواطن يدفع الثمن… من ثقته أولًا، ومن مستقبله ثانيًا.
الفساد الحزبي بالمغرب.. حين تتحول السياسة إلى غطاء للريع والنفوذ

