Site icon جريدة صفرو بريس

الرياضة كجسر للتمكين: الرباط تحتضن دبلوماسية من نوع آخر


بعيدًا عن القاعات المغلقة والبيانات البروتوكولية، اختارت الرباط هذه المرة أن تمارس دبلوماسية هادئة من نوع مختلف: دبلوماسية تُبنى بالمضمار، وتُصاغ بالثقة، وتتحقق عبر الجسد والإرادة. فاحتضان المغرب لمعسكر تدريبي عالي المستوى في البارا ألعاب القوى لفائدة دول إفريقية، ليس مجرد نشاط رياضي، بل رسالة متعددة الأبعاد، عنوانها: التمكين قبل التتويج.
المعسكر، المنظم من طرف الجامعة الملكية المغربية لرياضة الأشخاص في وضعية إعاقة بشراكة مع اللجنة البارالمبية الدولية، يندرج ضمن برنامج «Sport For Mobility»، وهو برنامج يراهن على الرياضة كوسيلة للحركية الاجتماعية، وبناء القدرات، وخلق شبكات تعاون عابرة للحدود. اختيار الرباط لاحتضان هذه المحطة لم يأتِ صدفة، بل يعكس مسارًا مغربيًا راكم تجربة وسمعة في مجال رياضة الأشخاص في وضعية إعاقة، سواء من حيث التكوين أو الحكامة أو النتائج.
المميز في هذا المعسكر ليس فقط تنوع المشاركين القادمين من بنين وبوركينا فاسو وإفريقيا الوسطى والسنغال وكوت ديفوار والمغرب، بل الفلسفة التي تحكم تنظيمه. فلسفة تقوم على تقاسم المعرفة بدل احتكارها، وعلى بناء المدرب قبل صناعة البطل، وعلى اعتبار الرياضي في وضعية إعاقة فاعلًا كامل الحقوق، لا مجرد موضوع للرعاية.
البرنامج التكويني، الذي يؤطره خبراء مغاربة معتمدون، لا يكتفي بالجانب التقني المرتبط بتقنيات التدريب وقوانين البارا ألعاب القوى، بل يذهب أبعد من ذلك، ليلامس أبعادًا غالبًا ما تُهمَل: التواصل الإنساني بين المدرب والرياضي، الإعداد الذهني، التغذية، المتابعة الطبية، ومكافحة المنشطات. وهي عناصر تعكس فهمًا حديثًا للرياضة، باعتبارها منظومة متكاملة لا تختزل في الأداء البدني فقط.
كما أن الحرص على المناصفة، بتمثيلية نسائية تبلغ 50 في المائة، يحمل دلالة قوية في سياق إفريقي ما تزال فيه النساء في وضعية إعاقة يواجهن تمييزًا مضاعفًا. هنا، تتحول الرياضة إلى أداة إنصاف، وإلى مساحة لإعادة الاعتبار للمرأة كعنصر قيادي داخل المنظومة الرياضية.
تكفل الجامعة الملكية المغربية بكافة مصاريف المشاركين يضيف بعدًا تضامنيًا واضحًا، ويكرس منطق التعاون جنوب–جنوب، بعيدًا عن العلاقات العمودية أو المشروطة. إنه استثمار في الإنسان، وفي المستقبل، وفي صورة إفريقيا قادرة على تطوير كفاءاتها من داخلها.
مع انطلاق هذا البرنامج، لا تقدم الرباط فقط معسكرًا تدريبيًا، بل تقدم نموذجًا: نموذج بلد يراهن على الرياضة كقوة ناعمة، وعلى الإدماج كخيار استراتيجي، وعلى الإنسان كقيمة مركزية. وفي زمن تتكاثر فيه الأزمات، قد تكون هذه هي أبسط وأصدق طرق بناء الأمل.

Exit mobile version