الحلقة السادسة من محادثات هشام جيراندو تضع الرجل مرة اخرى في مواجهة أسئلة ثقيلة، وتعيد إلى الواجهة ذلك النوع من المعارضة التي لا تبدو منشغلة بقدر كبير بالدفاع عن المظلومين بقدر انشغالها بمن يدفع ومن يمول ومن يمكن استهدافه في الوقت المناسب.
التسريبات المتداولة، بحسب ما يظهر منها، لا تترك كثيرا من المساحة للمناورة، بل تضع أمام المتابعين أسماء وأرقاما ووثائق ومعطيات تثير شكوكا خطيرة حول طبيعة العلاقات التي تتحرك في خلفية هذا الخطاب، وحول الجهات التي يمكن أن تستفيد من حملات التشهير والهجوم المستمر.
هنا يسقط القناع عن صورة «المناضل» الذي يريد إقناع الناس بأنه يتحرك من أجل الحقيقة وحدها. فحين تدخل الأموال والمصالح الخاصة على الخط، يصبح الموقف قابلا للبيع والشراء، ويصبح صاحب الصوت المرتفع مجرد أداة في يد من يملك المال ويبحث عن تصفية حساباته.
جيراندو، في هذه الصورة، لا يبدو كمن يدافع عن مظلوم لأنه مظلوم، وإنما كمن يستطيع أن يجعل من المظلوم والمعتدي والخصم السياسي مجرد أوراق في لعبة أكبر، يكون معيارها الحقيقي هو المصلحة ومن يدفع أكثر.
وهذه هي أخطر نقطة في القضية: الاسترزاق بالمواقف.
فالإنسان الذي يبيع موقفه يفقد استقلاليته، والذي يجعل المال معيارا لتحالفاته وخصوماته يتحول إلى ريشة في مهب رغبات الآخرين. اليوم يتحدث باسم قضية، وغدا يجد نفسه يخدم قضية أخرى، ليس لأن قناعته تغيرت، ولكن لأن صاحب المصلحة تغير.
وإذا صحت المعطيات التي تكشفها التسريبات، فإن الأمر لا يتعلق بمجرد شخص يمارس خطابا سياسيا حادا، بل بصورة أكثر قتامة لمشروع يقوم على استغلال الصراعات والخصومات وتوظيفها لتحقيق مكاسب ومصالح.
أما العلاقة التي تكشفها التسريبات مع أشخاص مرتبطين بوسط الاتجار بالممنوعات، فهي ليست تفصيلا هامشيا يمكن تجاوزه، لأنها تفتح الباب أمام سؤال أخطر: هل كان خطاب جيراندو وبوعشرية مجرد «معارضة» مستقلة، أم أن هناك جهات وأموالا ومصالح كانت تستعمل هذا الخطاب لتصفية حسابات عابرة للحدود؟
إذا كانت المعطيات المتداولة صحيحة، فنحن أمام مشهد لا علاقة له بالنضال الذي يعرفه المغاربة، بل أمام توظيف للمعارضة كوسيلة ضغط وابتزاز، وتحويل المنصات الرقمية إلى ساحات لتصفية الحسابات.
والأكثر إثارة للسخرية أن من يقدم نفسه باعتباره محاربا للفساد، يفترض أن يكون أول من يشرح للرأي العام مصادر تمويله وعلاقاته والجهات التي تقف وراء حملاته.
من حق الناس أن يسألوا: من يمول؟ من يدفع؟ من يطلب الهجوم؟ ومن يقرر متى يبدأ الهجوم ومتى يتوقف؟
هذه الأسئلة ليست مؤامرة، وليست محاولة لإسكات المعارضة، بل هي أبسط قواعد الشفافية التي يفترض أن يخضع لها كل شخص يجعل من نفسه حارسا على أخلاق الآخرين.
جيراندو لا يمكنه أن يطالب الناس بالتصديق الأعمى لكل اتهام يطلقه، ثم يطلب منهم في الوقت نفسه أن يغلقوا أعينهم أمام التسريبات التي تضعه هو ومن حوله تحت المجهر.
فالمعارضة ليست حصانة، والشهرة ليست براءة، ورفع شعار الدفاع عن المظلومين لا يمنح صاحبه رخصة لممارسة الابتزاز أو خدمة مصالح من يقف خلف الستار.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للسياسة هو أن يتحول صاحب الموقف إلى سمسار للمواقف، وأن يصبح الميكروفون وسيلة ضغط، وأن تتحول قضايا الناس إلى مادة تجارية يحدد سعرها حجم المصلحة.
ولهذا فإن القضية الحقيقية اليوم ليست فقط في ما قاله جيراندو، وإنما في السؤال الذي يفرض نفسه بعد كل هذه التسريبات: هل كان الرجل يختار معاركه بناء على قناعة، أم بناء على مصلحة؟
إذا كان يدافع عن المظلوم فعلا، فليكن المظلوم هو المعيار، لا المال.
وإذا كان يحارب الفساد فعلا، فليبدأ من محيطه، وليكشف مصادر تمويله وعلاقاته ومن يدعمه.
أما إذا كان معيار الموقف هو من يدفع أكثر، فحينها لا نتحدث عن نضال، بل عن سياسة ابتزاز.
وهنا بالضبط تتحول القضية من مجرد تسريبات على مواقع التواصل إلى امتحان حقيقي للمصداقية: إما أن تكون هناك قضية ومبادئ، وإما أن يكون كل هذا الصراخ مجرد تجارة مربحة في المواقف والخصومات.
والأيام كفيلة بأن تكشف الحقيقة كاملة، لأن المال يمكنه شراء الأصوات لبعض الوقت، لكنه لا يستطيع شراء الحقيقة إلى الأبد.

