الحكومة الاجتماعية… الأرملة ليست أولوية!

في كل مرة يخرج علينا المسؤولون للحديث عن “الدولة الاجتماعية” و”الحماية الاجتماعية” و”العدالة الاجتماعية”، يظن المواطن البسيط أنه يعيش في السويد ولم ينتبه إلى ذلك بعد. لكن ما إن يصل الأمر إلى التصويت الفعلي داخل المؤسسات حتى يكتشف أن “الاجتماعي” في الخطاب شيء، و”الاجتماعي” في الواقع شيء آخر تماماً.
آخر حلقات هذا المسلسل الكوميدي جاءت من مجلس المستشارين، حيث قررت أحزاب الأغلبية الحكومية التصويت ضد تعديل بسيط يهم الأرامل، وهو تعديل يروم تبسيط المساطر وإلغاء شرط أن تكون مدة الزواج سنتين على الأقل قبل وفاة الزوج للاستفادة من الحقوق المرتبطة بذلك.
تخيلوا المشهد.
أرملة فقدت زوجها، وتواجه مصاريف الحياة والوحدة وقسوة الظروف والإجراءات الإدارية المعقدة، فتنتظر من الحكومة التي ترفع شعار “الدولة الاجتماعية” أن تخفف عنها بعض المعاناة.
لكن الحكومة يبدو أنها نظرت إلى الملف بعين أخرى، عين المحاسب الذي يفحص آلة حاسبة أكثر مما ينظر إلى أوضاع البشر.
وهكذا، سقط المقترح تحت أقدام الأغلبية بكل أريحية، وكأن الأمر يتعلق بمشروع لبناء محطة فضائية على سطح المريخ وليس بتسهيل إجراءات لفائدة نساء فقدن أزواجهن.
الأطرف أن الحكومة نفسها لا تتعب من الحديث عن دعم الفئات الهشة. والحقيقة أنها تدعمها فعلاً… بالكلام والخطب والندوات واللافتات والصور التذكارية.
أما حين يحين موعد اتخاذ قرار ملموس، فإن الفئات الهشة تتحول فجأة إلى عبء مالي، وتصبح لغة الأرقام أهم من لغة الكرامة الإنسانية.
والأجمل من كل هذا أن المواطن مطالب دائماً بالتفهم.
عليه أن يتفهم ارتفاع الأسعار.
ويتفهم ضعف الخدمات.
ويتفهم صعوبة العيش.
ويتفهم القرارات غير الشعبية.
ويتفهم أن الوعود تحتاج وقتاً.
ويتفهم أن الإصلاحات تحتاج صبراً.
أما الحكومة فلا يبدو أنها مطالبة بتفهم أوضاع الأرامل.
فالتفهم، في القاموس السياسي المغربي، فضيلة مطلوبة من المواطن فقط.
ثم يخرج علينا بعض المدافعين عن الأغلبية ليحدثونا عن الإنجازات التاريخية والاستثنائية والأسطورية التي لا يراها إلا أصحاب البصر السياسي الحاد.
أما الأرملة التي كانت تنتظر تبسيط مسطرة إدارية ترهقها، فعليها أن تؤجل آمالها إلى إشعار انتخابي آخر.
لا بأس.
فالموسم الانتخابي لم يحن بعد.
وعندما يقترب، سيعود الجميع للحديث عن العدالة الاجتماعية والتضامن والإنصاف والكرامة.
وسيكتشف المغاربة من جديد أن الفئات الهشة هي “أولوية الأولويات”.
أما اليوم، فيبدو أن الأولوية القصوى هي شيء آخر.
شيء اسمه التصويت ضد الأرامل، ثم مطالبة الأرامل بالتصفيق للحكومة الاجتماعية.
إنها حقاً معجزة سياسية مغربية خالصة: حكومة تتضامن مع الفئات الهشة… عبر التصويت ضدها!




