المغرب

الحجاب في الإعلام العمومي بين الجدل المجتمعي ومعايير المهنية: قراءة في موقف وزارة الشباب والثقافة والتواصل


أعاد تصريح وزير الشباب والثقافة والتواصل، محمد المهدي بنسعيد، بخصوص عدم اعتبار الحجاب عائقاً مهنياً أمام تقديم النشرات الإخبارية في الإعلام العمومي، فتح النقاش حول حدود العلاقة بين المظهر الشخصي ومتطلبات الاشتغال داخل المؤسسات الإعلامية العمومية، في سياق مجتمعي تتقاطع فيه اعتبارات المهنة مع حساسيات ثقافية واجتماعية.
وأكد الوزير أن المعايير المعتمدة داخل الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة تقوم على الكفاءة والاستحقاق والالتزام بأخلاقيات المهنة، بعيداً عن أي شكل من أشكال الإقصاء أو التمييز المرتبط بالمظهر أو اللباس، بما في ذلك ارتداء الحجاب، وهو ما يعيد التأكيد على مبدأ أساسي في الخدمة الإعلامية العمومية يتمثل في تكافؤ الفرص.
هذا التصريح، وإن بدا في ظاهره تقنياً ومهنياً، إلا أنه يأتي في سياق نقاش أوسع يتكرر من حين لآخر داخل الفضاء العمومي المغربي، حول تمثلات الهوية داخل المؤسسات الإعلامية، وحدود ما هو مهني وما هو رمزي أو ثقافي. فالإعلام العمومي، باعتباره واجهة الدولة في التواصل مع المواطنين، يجد نفسه باستمرار بين مقتضيات الحياد المهني من جهة، وتعدد المرجعيات الاجتماعية والثقافية من جهة أخرى.
في هذا الإطار، يطرح السؤال حول ما إذا كان التركيز على الكفاءة وحدها كافياً لحسم مثل هذه الإشكالات، أم أن الواقع العملي للإعلام يظل أكثر تعقيداً، حيث تتداخل معايير الأداء مع صورة المؤسسة لدى الجمهور، ومعايير القبول الاجتماعي لشكل ومضمون المذيع أو المذيعة.
كما يعكس هذا النقاش تحولات أعمق يشهدها المجتمع المغربي، حيث تتسع دائرة حضور الرموز الدينية والثقافية في الفضاء العام، في مقابل تطور متطلبات الاحتراف داخل قطاعات حساسة كالإعلام، الذي يُفترض أن يوازن بين المهنية واحترام التنوع الاجتماعي.
من جهة أخرى، يندرج هذا الموقف الرسمي في إطار تأكيد متجدد على مبدأ عدم التمييز داخل الوظيفة العمومية، وهو مبدأ دستوري يرسخ تكافؤ الفرص بين المواطنين، بصرف النظر عن المعتقد أو اللباس أو الانتماء الثقافي، ما دام ذلك لا يتعارض مع متطلبات العمل وأخلاقياته.
وبين هذا وذاك، يبدو أن النقاش حول المظهر داخل الإعلام العمومي لن يُحسم فقط عبر التصريحات أو المواقف المبدئية، بل سيظل مرتبطاً بتطور الممارسة المهنية نفسها، وبمدى قدرة المؤسسات الإعلامية على ترسيخ معايير واضحة وشفافة تحظى بالقبول المهني والاجتماعي في آن واحد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى