Site icon جريدة صفرو بريس

الجزائر وبيان الهروب إلى الأمام.. تحول الدبلوماسية إلى خصومة دائمة مع الجوار

مرة أخرى، اختارت الدبلوماسية الجزائرية أن تتحدث بلغة الاتهام والاعتراض، وكأن السياسة الخارجية لهذا البلد لم يعد لها من شاغل سوى مراقبة ما يجري في الصحراء المغربية، ومحاولة التأثير في كل مسار دبلوماسي لا ينسجم مع حساباتها بشأن هذا الملف. فالبيان الصادر عن وزارة الخارجية الجزائرية يوم 31 أكتوبر 2026 ليس مجرد تعبير عن موقف من تطورات مجلس الأمن، بل يعكس إصرارا على إبقاء المنطقة أسيرة نزاع طال أمده، وعلى تحويل الخلاف السياسي إلى عنوان دائم للعلاقات مع المغرب.

المفارقة أن البيان يتحدث عن الإنصاف والعدالة وحق الشعوب في تقرير مصيرها، لكنه لا يقدم تفسيرا مقنعا للتناقض بين هذا الخطاب وبين السياسة الإقليمية التي تنتهجها الجزائر، والتي باتت علاقاتها بعدد من دول الجوار تعرف توترات وتباينات حادة. فالعلاقة مع مالي مرت بأزمة دبلوماسية وأمنية عميقة، والعلاقة مع النيجر شهدت بدورها ملفات خلافية، فيما ظلت موريتانيا في محيط إقليمي تتقاطع فيه الضغوط والحسابات الجيوسياسية. وهي تطورات تطرح سؤالا مشروعا: أي دور إقليمي تريد الجزائر أن تلعبه؟ دور الدولة التي تبني جسور التعاون أم دور الطرف الذي يجد نفسه باستمرار في قلب الأزمات؟

إن القارة الإفريقية لا تحتاج إلى مزيد من الاصطفافات والمحاور المتصارعة، ولا إلى دبلوماسية تقيس علاقاتها مع الدول بمدى اقترابها من مواقفها السياسية. ما تحتاجه هو شراكات اقتصادية حقيقية، وتعاون أمني يحترم سيادة الدول، واستثمارات تفتح آفاق التنمية أمام الشعوب. أما تحويل الخلافات السياسية إلى أدوات ضغط، وإقحام الجوار في حسابات لا تنتهي، فلا يخدم استقرار المنطقة ولا مستقبل شعوبها.

والأكثر إثارة للتساؤل أن الخطاب الرسمي الجزائري يمنح ملف الصحراء المغربية مساحة استثنائية من الاهتمام السياسي والدبلوماسي، بينما يظل من حق المواطن الجزائري أن يطرح أسئلة أكثر إلحاحا حول أولويات بلاده الاقتصادية والاجتماعية، وحول الكيفية التي تنعكس بها ثروات البلاد وإمكاناتها الكبيرة على مستوى المعيشة وفرص الشغل والخدمات العمومية. فالجزائر بلد يمتلك موارد طبيعية مهمة وإمكانات اقتصادية معتبرة، ومن حق شعبه أن يرى أثر هذه الثروات في حياته اليومية، لا أن يظل رهينة تجاذبات إقليمية تستنزف الجهد والموارد وتؤجل الأسئلة الداخلية الكبرى.

وليس من المقبول أن يتحول الخلاف مع المغرب إلى مبرر دائم لتفسير كل تعثر أو لتوجيه اهتمام الرأي العام نحو الخارج. فالشعوب لا تقاس قوتها بعدد الخصومات التي تدخل فيها دولها، ولا بعدد البيانات التي تصدرها وزارات خارجيتها، وإنما بما تحققه من تنمية وكرامة واستقرار وفرص حقيقية لمواطنيها.

ثم إن التمسك بمبدأ تقرير المصير، كما يرد في البيان الجزائري، يقتضي التعامل مع المسارات الأممية بقراءة كاملة لا بانتقاء العبارات التي تخدم الموقف السياسي. فالقرار 2797 الصادر سنة 2025 جعل مقترح الحكم الذاتي المغربي أساسا للمفاوضات، ودعا الأطراف إلى الانخراط في مناقشات دون شروط مسبقة، وهو ما يجعل من المشروع التساؤل عن جدوى الاستمرار في لغة الرفض والاعتراض بدل تقديم مساهمة عملية في مسار سياسي يبحث عن تسوية نهائية.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب المنطقة هو أن تصبح الخصومة السياسية عقيدة دبلوماسية، وأن تتحول الحدود المشتركة من فضاء للتعاون والتكامل إلى خطوط للتوجس والتصعيد. فالمغرب والجزائر دولتان جارتان، وبين الشعبين روابط تاريخية وإنسانية، وكان بإمكان هذه الجغرافيا أن تكون أساسا لاتحاد مغاربي قوي، واقتصاد متكامل، وموقف إفريقي أكثر تأثيرا في القضايا الدولية.

لكن المنطقة لا يمكن أن تبني مستقبلها على منطق العداء المستمر، ولا أن تظل رهينة حسابات سياسية تجعل من المغرب خصما دائما ومن كل تطور يخدم مسار التسوية مناسبة لإصدار بيان جديد.

إن السؤال الذي ينبغي أن يطرح اليوم في الجزائر ليس فقط لماذا لم يرض هذا البيان عن مخرجات مجلس الأمن، بل متى ستتحول السياسة الخارجية الجزائرية من إدارة الخصومات إلى صناعة المصالح؟ ومتى تصبح ثروات الجزائر وإمكاناتها في خدمة تطلعات شعبها، بدل أن يظل ملف الصحراء المغربية حاضرا في صدارة أجندة الدبلوماسية الجزائرية؟

فالدول تكبر بما تبنيه، لا بما تعرقله، والتاريخ لا يخلد كثرة البيانات، بل يخلد ما تتركه السياسات من استقرار وتنمية ومصالح مشتركة.

Exit mobile version