Site icon جريدة صفرو بريس

التربية الدامجة في المغرب… لماذا لم تتحول الإرادة السياسية إلى نتائج ملموسة؟

تكشف المعطيات التي قدمها المرصد المغربي للتربية الدامجة أن أزمة تمدرس الأطفال في وضعية إعاقة ليست مجرد خلل تقني أو إداري، بل تعكس إشكالا أعمق يتعلق بطريقة تدبير السياسات العمومية. فبعد سنوات من إطلاق البرامج والإعلان عن إصلاحات متتالية، ما زال الحق في تعليم دامج يواجه عراقيل تجعل الفجوة كبيرة بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني.

فالتراجع المسجل في عدد الأطفال في وضعية إعاقة المتمدرسين لا يمكن اعتباره مجرد رقم إحصائي، بل هو مؤشر على أن المنظومة لم تستطع استقطاب هذه الفئة والحفاظ عليها داخل المدرسة. وعندما يفقد آلاف الأطفال فرصة التعليم، فإن الأمر لا يتعلق فقط بقطاع التربية، بل بمستقبل فئة كاملة قد تجد نفسها خارج مسارات التكوين والإدماج الاجتماعي والاقتصادي.

ويبدو أن أحد أبرز أسباب هذا الوضع هو غياب المقاربة الشمولية. فالتربية الدامجة لا تتحقق بفتح الأقسام فقط، وإنما تحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل التهيئة الهندسية للمؤسسات، وتكوين الأطر التربوية، وتوفير الوسائل التعليمية المناسبة، وإعداد المناهج، وتكييف الامتحانات، وضمان خدمات المواكبة النفسية والاجتماعية. وعندما يغيب أحد هذه العناصر، يصبح الإدماج شكليا أكثر منه فعليا.

كما يبرز إشكال الحكامة باعتباره أحد أبرز مواطن الضعف. فالبرامج الحكومية غالبا ما تضع أهدافا طموحة، لكن ضعف التنسيق بين مختلف القطاعات والمؤسسات، وتأخر إصدار النصوص التنظيمية، وغياب آليات دقيقة للتقييم والمساءلة، يجعل النتائج أقل بكثير من الطموحات المعلنة.

وتطرح بعض المقتضيات التنظيمية بدورها نقاشا حول مدى انسجامها مع مبدأ المساواة في الولوج إلى التعليم. فإذا أصبح تمدرس الطفل في وضعية إعاقة مرتبطا بإمكانات أسرته المادية أو بقدرتها على توفير المرافقة، فإن الحق الدستوري في التعليم يتحول إلى فرصة غير متكافئة، وهو ما يتعارض مع فلسفة المدرسة العمومية التي يفترض أن تضمن الإنصاف لجميع المواطنين.

ولا يمكن تحميل وزارة التربية الوطنية وحدها مسؤولية هذا الواقع، لأن التربية الدامجة ورش متعدد الأبعاد، يقتضي انخراط قطاعات الصحة والتضامن والجماعات الترابية والمجتمع المدني، إضافة إلى مساهمة التعليم الخصوصي، الذي لا يزال حضوره في هذا المجال محدودا.

إن بناء مدرسة دامجة لا يقاس بعدد البلاغات أو البرامج، وإنما بقدرة كل طفل، مهما كانت إعاقته، على ولوج المدرسة، والتعلم في ظروف مناسبة، وإكمال مساره الدراسي دون تمييز. وهذا يفرض الانتقال من منطق التدبير الموسمي للمشكلات إلى رؤية استراتيجية تجعل الإدماج جزءا أصيلا من السياسات العمومية، وليس برنامجا ينتهي بانتهاء مدة خارطة طريق.

وفي النهاية، فإن نجاح أي إصلاح تعليمي لا يقاس بما يرد في الوثائق الرسمية، بل بقدرته على حماية الفئات الأكثر هشاشة. وإذا كانت المدرسة المغربية تسعى إلى تحقيق العدالة وتكافؤ الفرص، فإن مستقبل التربية الدامجة سيظل أحد أهم الاختبارات الحقيقية لمدى نجاح هذا التوجه.

Exit mobile version