هناك فرق كبير بين الخطاب السياسي وبين الواقع السياسي… فرق تفضحه السنوات قبل التصريحات، وتكشفه الوقائع قبل الشعارات.
جبهة البوليساريو ما زالت، رغم مرور عقود، تقدم نفسها باعتبارها “ممثلاً حصرياً” لساكنة مخيمات تندوف، وتبني خطابها على سردية سياسية ثابتة لا تتغير، حتى وإن تغير العالم من حولها عشرات المرات.
لكن الإشكال الحقيقي ليس في تكرار الخطاب، بل في اصطدامه المستمر مع واقع دولي يتحرك في اتجاه مختلف تماماً.
في عالم السياسة اليوم، لا مكان كبير للكيانات التي تعيش خارج منطق الدولة، ولا للخطابات التي لا تتحول إلى مؤسسات قابلة للحياة أو مشاريع قابلة للتطبيق. وهنا تبدأ الفجوة تتسع بين ما يُقال وما هو قائم فعلاً.
كل المؤشرات الدبلوماسية خلال السنوات الأخيرة تُظهر أن اتجاه العالم لم يعد يتعامل مع الملف من زاوية الشعارات، بل من زاوية الحلول الواقعية. والمغرب استثمر هذا التحول عبر مقاربة واضحة: تنمية الأقاليم الجنوبية، تعزيز الاستقرار، وتقديم مبادرة الحكم الذاتي كخيار عملي يحظى بقبول متزايد في دوائر القرار الدولية.
في المقابل، ما زالت الأطروحة الانفصالية تتحرك بنفس الأدوات القديمة: خطاب سياسي جامد، سرديات تعود لزمن آخر، ومحاولات دائمة لقراءة أي حدث دولي صغير وكأنه “تحول استراتيجي” في الملف. لكن ما يحدث على الأرض غالباً لا يعكس تلك القراءات المتسرعة.
المفارقة أن الزمن السياسي نفسه أصبح يعمل ضد هذا النوع من الخطابات. فكلما طال الوقت، اتسعت الفجوة بين ما يُقال في البيانات، وما يحدث في الواقع الدبلوماسي والتنموي. وكلما زاد الضجيج الإعلامي، زاد معه وضوح الصورة الحقيقية لدى المنتظم الدولي.
أما داخل مخيمات تندوف، فالوضع الإنساني والسياسي المعقد يضيف طبقة أخرى من الأسئلة حول طبيعة التمثيل، وآليات القرار، وحدود الشرعية السياسية داخل بنية لا تخضع لمعايير الدولة الحديثة.
وفي النهاية، لا تحتاج القضية إلى مزيد من الشعارات بقدر ما تحتاج إلى مواجهة مع الواقع: العالم لا يُدار بالخطابات الثابتة، بل بالمشاريع القابلة للحياة. والفرق بين الطرفين اليوم أصبح أكثر وضوحاً من أي وقت مضى.
ومع استمرار التحولات الإقليمية والدولية، يبدو أن منطق الدولة والاستقرار والتنمية يفرض نفسه تدريجياً، بينما تبقى الأطروحات الجامدة خارج هذا المسار، تكرر نفسها في عالم تغيّر كثيراً دون أن تنتبه.

