Site icon جريدة صفرو بريس

الانتخابات على طريقة “خياطة القياس السياسي”… ومن يفوز قبل أن تُفتح الصناديق؟


ما فهمناه إلى حدود الساعة بسيط جداً: الانتخابات لم تُجرَ بعد، لكن النتائج بدأت تُكتب منذ الآن… والكل يشارك في “البروفة الكبرى” وكأننا في عرض أزياء سياسي، حيث كل حزب يقيس الثوب على مقاسه، ثم يعلن مسبقاً أنه الفائز بالعرض.
ثلاثة أشهر تفصلنا عن صناديق الاقتراع، لكن بعض النقاشات تبدو وكأنها وصلت لمرحلة “إعلان الحكومة قبل التصويت”. هناك من حسم أن هذا هو رئيس الحكومة المقبل، وهناك من يرى أن ذاك هو الرجل المناسب للمرحلة، وآخرون يوزعون الحقائب الوزارية كما تُوزع بطاقات الدعوة لحفل رسمي لم يُحدد تاريخه بعد.
في هذا السوق الانتخابي الهادئ جداً… أكثر من اللازم… لا أحد ينتظر النتائج، لأن النتائج – حسب بعض الخطابات غير المعلنة – انتظرتنا منذ مدة طويلة.
البعض يقولها بثقة: فوزي لقجع هو الرجل القادم. آخرون يبتسمون بثقة أكبر: لا، فاطمة الزهراء المنصوري هي المفاجأة. فريق ثالث يرفع حاجبه السياسي: نزار بركة هو “رجل التوازن”. والباقي يكتفي بالمشاهدة، لأن اللائحة طويلة جداً لدرجة أن المواطن البسيط بدأ يشك أنه الوحيد الذي لم يُستشار في تعيين الحكومة المقبلة.
هنا نطرح سؤالاً بسيطاً، بسيطاً لدرجة أنه قد يكون خطيراً:
إذا كانت الأسماء محسومة مسبقاً بهذا الشكل، فما وظيفة صناديق الاقتراع بالضبط؟ هل هي جهاز تقني لتأكيد النتائج فقط؟ أم مجرد “ختم إداري” على وثيقة مكتوبة سلفاً؟
أم أن الأمر أشبه بخياطة ثوب سياسي جاهز: تُؤخذ القياسات أولاً، ثم يُخاط الثوب بدقة، وبعدها يُطلب من الناخبين فقط أن يصفقوا على المقاس المناسب… ولو كان ضيقاً أو واسعاً أو خارج الموسم تماماً.
المثير في الأمر أن الجميع يتحدث بلغة “الثقة”، لكن لا أحد يشرح مصدر هذه الثقة. وكأن السياسة تحولت إلى علم غير قابل للنقاش، تُعرف نتائجه قبل إجراء التجربة، مثل قانون فيزياء لا يحتاج إلى مختبر.
ثم هناك لحظة جميلة في كل موسم انتخابي: لحظة “التوقعات الكبرى”، حيث تتحول بعض الأسماء إلى نجوم في نشرات غير رسمية، ويتم توزيع الأدوار قبل التصويت، وكأن المواطن مجرد متفرج في مسرحية يعرف نهايتها لكنه مُطالب بالتصفيق في الوقت المناسب.
وإذا اعترضت وقلت: “دعونا ننتظر الصندوق”، يُقال لك إنك لا تفهم “دينامية المشهد السياسي”، أو أنك لم تستوعب “التحولات العميقة”، أو أنك ببساطة لا تواكب العصر… عصر النتائج قبل التصويت.
في هذه الأجواء، يصبح من الطبيعي أن نتساءل بسخرية: هل نحن فعلاً أمام انتخابات؟ أم أمام اختبار لمدى قدرتنا على تصديق ما يُقال لنا مسبقاً؟
حتى “ليلى عبد اللطيف”، بكل ما تملكه من خيال سياسي مستقبلي، تبدو متأخرة في هذا السياق… لأن بعض التحليلات المحلية سبقتها إلى إعلان النتائج قبل أن تبدأ هي حتى في “التنبؤ”.
المهم في النهاية، حتى لا نخربق “السلوكا” الانتخابية العامة، هو أن نُطمئن المواطن: صناديق الاقتراع ما زالت هنا، لم تُرفع بعد، ولم تُستبدل بلوحات إعلانية.
لكن السؤال البسيط الذي يظل عالقاً في الهواء:
هل ستُفتح فعلاً لنعدّ الأصوات… أم فقط لنعدّ التأكيد على ما تم الاتفاق عليه مسبقاً؟
إلى ذلك الحين، يمكننا فقط أن ننتظر… ونصفق جيداً، ربما نُفاجأ نحن أيضاً بالنتيجة التي عرفها الجميع قبلنا.

Exit mobile version