لم يعد الخلاف داخل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية مجرد نقاش حول نتائج التزكيات أو اختلاف في تقدير معايير اختيار وكيلات اللوائح الجهوية، بعدما قررت قيادة الحزب رفع سقف المواجهة مع مريم جمال الإدريسي إلى مستوى التلويح بالمتابعة القضائية. فقد أعلن المكتب السياسي، عقب اجتماعه المنعقد يوم 22 غشت الجاري، تخلي الإدريسي عن انتمائها للحزب، متهما إياها بترويج ما وصفه بالادعاءات الباطلة التي تمس بمصداقية مؤسسات الحزب وأعضاء لجنة البت، ومعلنا احتفاظه بحقه في اللجوء إلى القضاء إذا كانت الأفعال الصادرة عنها تندرج ضمن الجرائم التي يعاقب عليها القانون.
وهكذا، يبدو أن حزب الوردة لم يجد في نهاية المطاف وردة يقدمها لعضوته السابقة، فقدم لها بدل ذلك تذكرة محتملة إلى المحكمة.
القصة بدأت من لجنة للبت في الترشيحات، وانتهت ببلاغ سياسي يفتح الباب أمام القضاء. وبين البداية والنهاية، توجد رواية مريم جمال الإدريسي التي تحدثت عن معطيات مرتبطة بالمساهمات المالية في الحملات الانتخابية، وطالبت بفتح تحقيق داخلي محايد في الموضوع، قبل أن يتحول صاحب السؤال نفسه إلى موضوع للمساءلة والتهديد بالمتابعة.
وهنا تكمن المفارقة التي تجعل القضية أكبر من مجرد خلاف تنظيمي عابر: عندما تثار أسئلة حول طريقة تدبير الترشيحات، يفترض أن يكون الرد الأول هو تقديم التوضيحات والوثائق، لا أن تتحول المسألة بسرعة إلى معركة حول ما إذا كان صاحب السؤال يستحق جوابا أم يستحق شكاية.
الإدريسي كانت قد تحدثت عن مطالبة مرشحات، بحسب ما ورد في تقريرها، بتحديد المبالغ التي يمكنهن المساهمة بها في الحملة الانتخابية، واعتبرت أن إدخال المال في عملية المفاضلة بين المرشحات يحتاج إلى توضيح وتحقيق. كما نقلت مصادر إعلامية أن تقريرها تضمن حديثا عن مبالغ قيل إنها تراوحت بين 1.4 و1.6 مليون درهم، مع مطالبتها بالحفاظ على الوثائق والتحقق من طبيعة هذه المساهمات والأساس الذي استندت إليه.
لكن الحزب اختار أن يرد بمنطق مختلف تماما: المسطرة سليمة، النتائج صودق عليها بالإجماع، والإدريسي شاركت في المسطرة وقبلت مقتضياتها، قبل أن ترفض نتائجها وتوجه اتهامات اعتبرتها القيادة خطيرة وتمس مؤسسات الحزب وأعضاء لجنة البت.
ومن هنا دخلت كلمة “القضاء” إلى المشهد.
والقضاء هنا ليس تفصيلا صغيرا يمكن المرور عليه في آخر البلاغ، لأنه إذا قرر الحزب فعلا الانتقال من التهديد إلى وضع شكاية، فإن الملف سيخرج من الحسابات الحزبية ومنطق البيانات إلى مساحة أخرى لا تحسم فيها الأمور بالتصفيق ولا بالإجماع السياسي.
فالحزب يقول إن هناك ادعاءات خطيرة، والإدريسي تقول إن هناك أسئلة ومعطيات تستوجب التحقيق. وبين الروايتين، توجد مؤسسة واحدة قادرة على التمييز بين الادعاء والواقعة، وبين النقد والتشهير، وبين المعلومة التي تحتاج إلى إثبات والكلام الذي يمكن أن يرتب مسؤولية قانونية.
لكن المثير في المشهد أن الحزب نفسه يقول إنه سيحتفظ بحقه في اللجوء إلى القضاء إذا تبين أن الأفعال المعنية تشكل جرائم، أي أن الباب لم يتحول بعد، وفق الصياغة المعلنة، إلى متابعة قضائية فعلية، وإنما إلى احتفاظ بالحق في ذلك.
وهنا يمكن القول إن المعركة دخلت مرحلة “سنقاضيك إذا…”، وهي مرحلة سياسية لها طعم خاص في زمن الانتخابات.
فبدل أن يكون النقاش: من هي المرشحة الأفضل؟ وما هو برنامجها؟ وما الذي ستقدمه للناخبين؟ أصبح السؤال: من سيذهب إلى المحكمة أولا؟
وبدل أن ينشغل الحزب بتقديم نفسه للناخبين كقوة سياسية قادرة على المنافسة، وجد نفسه مضطرا إلى إصدار بيانات للدفاع عن لجان التزكية والرد على عضوته السابقة والحديث عن إمكانية اللجوء إلى القضاء.
والأكثر سخرية أن الانتخابات نفسها لم تبدأ بعد، بينما يبدو أن بعض الملفات بدأت تأخذ طريقها نحو المحكمة قبل أن تأخذ طريقها نحو صناديق الاقتراع.
إذا كان الحزب واثقا من أن ما صدر عن الإدريسي مجرد ادعاءات باطلة، فإن القضاء قد يكون بالفعل أفضل مكان لحسم المسألة، لأن المحكمة لا تصوت مع هذا الطرف أو ذاك، ولا تعترف بمنطق “الأغلبية داخل المكتب السياسي”، بل تبحث عن الوقائع والأدلة والمسؤوليات.
وإذا كانت الإدريسي واثقة من المعطيات التي تحدثت عنها، فإن القضاء، بدوره، سيكون اختبارا حقيقيا لما تملكه من وثائق وأدلة، بدل أن تبقى القضية سجالا مفتوحا بين البيانات والتصريحات.
المشكلة الحقيقية إذن ليست في أن يلجأ الحزب إلى القضاء؛ فهذا حق قانوني متاح لأي جهة ترى أن مصالحها أو سمعتها تعرضت للمساس. المشكلة ستكون فقط إذا تحول القضاء إلى مجرد كلمة للاستهلاك السياسي، تستخدم لتخويف المنتقدين وإغلاق النقاش، ثم لا تتبعها أي خطوة عملية.
أما إذا كانت هناك وقائع يعتقد الحزب أنها جرائم، فليكن القضاء هو الحكم.
وعندها لن تكون القضية مجرد “مريم جمال الإدريسي ضد الاتحاد الاشتراكي”، بل ستصبح أمام الرأي العام قضية أكبر: هل كانت الاتهامات التي فجرت هذا الخلاف مجرد رواية سياسية بلا أساس، أم أنها كشفت بالفعل عن أسئلة جدية حول المال ومعايير التزكية تحتاج إلى أجوبة؟
وفي هذه الحالة، قد تتحول المحكمة إلى المكان الوحيد الذي لا يمكن فيه حل الأزمة بالبيانات.
فالبيان يستطيع أن يقول إن المسطرة سليمة، والإدريسي تستطيع أن تقول إن لديها ما يبرر أسئلتها، والقيادة تستطيع أن تعلن الإجماع على نتائج لجنة البت، لكن عندما يصل الملف إلى القضاء، يصبح الكلام مطالبا بأن يتحول إلى دليل.
وهنا بالضبط تصبح الكرة في ملعب الاتحاد الاشتراكي: إما أن يبقى القضاء مجرد سيف مرفوع في الهواء، وإما أن يتحول التلويح إلى شكاية فعلية تفتح الباب أمام التحقيق.
وفي الحالتين، يبدو أن أزمة التزكيات تركت للحزب مشكلة أكبر من اختيار وكيلة لائحة جهوية. فقد أصبح عليه الآن أن يدافع ليس فقط عن أسماء اختارها، وإنما عن الطريقة التي اختار بها تلك الأسماء، وعن المؤسسات التي أشرفت على العملية، وعن حقيقة ما أثير حول المال، وعن سبب وصول الخلاف إلى هذه الدرجة من التصعيد.
أما الناخب، الذي سيُطلب منه بعد أسابيع أن يمنح صوته للاتحاد الاشتراكي، فقد يجد نفسه يتابع الانتخابات من موقع المتفرج على معركة أخرى: معركة داخل الحزب حول من يملك الرواية الصحيحة.
ولذلك، فإن السؤال الذي يفرض نفسه الآن ليس: هل سيقاضي الاتحاد الاشتراكي مريم جمال الإدريسي؟
بل: هل سيذهب الحزب فعلا إلى القضاء، أم أن “المتابعة القضائية” ستبقى مجرد آخر طلقة في بيان انتخابي؟
لأن الفرق كبير بين أن تقول “سنقاضيك”، وبين أن تضع الشكاية على مكتب النيابة العامة وتترك القضاء يقول كلمته.
وعندها فقط ستنتهي لعبة البيانات، وستبدأ لعبة الأدلة.

