لم يمر الاتفاق الاستراتيجي الذي جمع النيجر بالقيادة العامة للقوات المسلحة في شرق ليبيا مرور الكرام في المشهد الإقليمي، خصوصا أنه جاء في توقيت بالغ الحساسية، يتزامن مع تحركات جزائرية جديدة باتجاه النيجر، وقرار إرسال وحدات من الجيش الجزائري إلى هذا البلد، في خطوة قالت الجزائر إنها تستهدف حماية مصالحها الاقتصادية والمنشآت المرتبطة بقطاع الطاقة.
ففي مدينة بنغازي، وقع نائب القائد العام لقوات شرق ليبيا، صدام حفتر، ورئيس الوزراء النيجري علي محمد الأمين زين، يوم الأحد فاتح نونبر، بروتوكول اتفاق للتعاون الاستراتيجي، بحضور رئيس الحكومة الليبية المكلفة من مجلس النواب أسامة حماد، ووفد نيجري ضم مسؤولين سياسيين وعسكريين، في مقدمتهم رئيس الأركان العامة للقوات المسلحة النيجرية.
ويأتي هذا التقارب ليمنح العلاقات بين نيامي وبنغازي بعدا جديدا، خاصة أن التعاون بين الطرفين لم يعد محصورا في الاتصالات الدبلوماسية والزيارات المتبادلة، بل بات يتجه نحو بناء شراكة استراتيجية في محيط جغرافي شديد الحساسية، تتقاطع فيه ملفات أمن الحدود ومكافحة الجماعات المسلحة والتهريب وحركة التجارة والمصالح الاقتصادية.
وتزداد أهمية هذه الخطوة بالنظر إلى توقيتها؛ فالجزائر كانت قد أعلنت بدورها عن توجه لإرسال وحدات عسكرية إلى النيجر، عقب موافقة المؤسستين التشريعيتين، في سياق حماية المصالح الاقتصادية ومشاريع الطاقة. وهكذا تجد المنطقة نفسها أمام تحركات متزامنة لقوى إقليمية تسعى إلى تعزيز حضورها في فضاء الساحل والصحراء.
ولعل اللافت في المشهد ليس مجرد توقيع اتفاق بين النيجر وشرق ليبيا، وإنما طبيعة التفاعلات الإعلامية التي رافقت الحدث في الجزائر. فقد تناولت منصات إعلامية جزائرية الاتفاق من زاوية ارتباطه بالتحركات العسكرية الجزائرية، وذهبت بعض القراءات إلى تقديم تحركات معسكر خليفة حفتر باعتبارها جزءا من سباق النفوذ في المنطقة، بدل الاكتفاء بعرض أبعاد التعاون الثنائي.
وهنا يبرز سؤال مشروع: هل أصبح من الصعب على بعض الأصوات الإعلامية الجزائرية التعامل مع تحركات دول الجوار باعتبارها خيارات سيادية مستقلة، أم أن أي تقارب إقليمي لا يمر عبر بوابة الجزائر بات يثير لديها حساسية سياسية وإعلامية؟
إن النيجر دولة مستقلة، ومن حقها تنويع علاقاتها وشراكاتها الأمنية والاقتصادية، تماما كما أن لليبيا مصالحها وحساباتها المرتبطة بأمن حدودها الجنوبية. ولا يمكن اختزال العلاقات بين الدول في منطق الاصطفاف أو اعتبار كل اتفاق ثنائي موجها ضد طرف ثالث.
كما أن ليبيا، رغم استمرار الانقسام السياسي بين طرابلس وبنغازي، تظل فضاء استراتيجيا مهما بالنسبة إلى دول الساحل، بحكم موقعها الجغرافي وامتداد حدودها الصحراوية، وما تمثله من منفذ نحو البحر الأبيض المتوسط. ومن هذا المنطلق، فإن التقارب النيجري مع شرق ليبيا يحمل أبعادا أمنية وتجارية وسياسية تتجاوز مجرد مراسم التوقيع.
وفي المقابل، فإن قراءة المشهد تستوجب عدم المبالغة في تقدير نتائج هذا الاتفاق؛ إذ لم يكشف الطرفان رسميا عن النص الكامل للبروتوكول ولا عن جميع تفاصيله التنفيذية، وهو ما يجعل الحديث عن طبيعة الالتزامات العسكرية والأمنية الدقيقة أمرا يحتاج إلى مزيد من المعطيات.
لكن المؤكد أن منطقة الساحل والصحراء لم تعد ساحة تتحرك فيها دولة واحدة دون حسابات الآخرين. فدول المنطقة أصبحت تبحث عن تنويع شراكاتها، وتأمين حدودها، وحماية مصالحها الاقتصادية، وهو ما يفرض على مختلف الأطراف إعادة النظر في أساليب التعامل مع التحولات الجارية.
أما محاولة قراءة كل تحرك دبلوماسي أو اتفاق تعاون من زاوية الخصومة السياسية، فلن تؤدي إلا إلى تعميق انعدام الثقة بين دول يفترض أن يجمعها الجوار والمصالح المشتركة.
في النهاية، لا تحتاج النيجر إلى إذن من أحد حتى تختار شركاءها، ولا تحتاج ليبيا إلى تبرير علاقاتها مع جيرانها ما دامت تتحرك في إطار مصالحها المشروعة. فالسيادة ليست امتيازا لدولة دون أخرى، والشراكات الإقليمية لا ينبغي أن تتحول إلى امتداد للصراعات الإعلامية والسياسية.

