في تجسيد حي لروح التعاون الدولي العابر للقارات دبلوماسية المجتمع المدني، وبصمة إنسانية تجمع بين ضفتي المتوسط والمحيط، شهد إقليم صفرو يوماً استثنائياً تميز بزيارة ميدانية لوفد رفيع المستوى من سفارة دولة أستراليا بالمملكة المغربية، لتدشين مكتبتينمدرسيتين نموذجيتين بكل من إعدادية “عين سبو” (جماعة أولاد مكودو) و”دار الفتاة أدرج”، والمنجزة بشراكة استراتيجية مع جمعية التضامن للتنمية بالمنزل بإقليم صفرو.
استقبال مغربي أصيل وانطلاقة من أولاد مكودو
انطلقت فعاليات هذه الزيارة من رحاب إعدادية عين سبو، حيث كان في استقبال معالي السفير المفوض فوق العادة لدى كومنولث أستراليا بالمغرب، السيد دميان دونڤان، والسيدة إلهام ادران، المسؤولة عن برنامج الدعم المباشر (DAP)، وفد ترأسه مدير المؤسسة وأطرها الإدارية والتربوية، والسلطات المحلية.
وعلى إيقاع حفاوة الاستقبال المغربي الأصيل بتقديم التمر والحليب، دُشنت المكتبة المدرسية النموذجية (المنجزة سنة 2024)، التي باتت تشكل اليوم منارة معرفية تدعم المسار الدراسي لأزيد من 311 تلميذاً وتلميذة، مما يجعلها مصدر للمعرفة العلمية والتربوية.
وقد تخلل الحفل كلمات ترحيبية راقية والتي أجمعت كلها على أن هذا الدعم ليس مجرد تجهيزات، بل هو استثمار مستدام في الرأسمال البشري. وقد استهلت بكلمة السيد مدير المؤسسة الذي نوه بعمق الشراكة وان هذا الانجاز يتجاوز ماهو مادي ليلامس ماهو انساني عابر للقارات، تلتها كلمة مؤثرة باللغة الانجليزية لتلميذة باسم زملائها شكرت التفاتة دولة أستراليا النبيلة، وكذا جهود جمعية التضامن للتنمية بالمنزل.

بعد ذلك قدم السيد رئيس جمعية التضامن للتنمية بالمنزل كلمة مقتضبة شكر من خلالها سفير استراليا، مذكرا ان برنامج الدعم المباشر التابع لوزارة الخارجية والتجارة الأسترالية مول لحدود الساعة ثلاثة مكتبات بالمنطقة، مكتبة المدرسة الجماعاتية دار الحمراء، ومكتبة إعدادية عين سبو ومكتبة دار الفتاة ادرج، متمينا مزيد من الدعم لتوفير مزيد من المكتبات لتلميذات وتلاميذ المنطقة.
ذاكرة المنطقة في متحف إعدادية عين سبو
ولم تكن الزيارة مجرد محطة تربوية فحسب، بل كانت رحلة عبر الزمن في متحف المؤسسة، الذي يختزل ذاكرة إقليم صفرو وتراث المنطقة العريق. فقد وقف الوفد الأسترالي والشركاء والضيوف بإعجاب كبير أمام معروضات تجسد أصالة الحياة القروية؛ من أدوات فلاحية ضاربة في القدم كـ “القفة” و”الشامية”، إلى أدوات النسيج الصوفي التي تحكي قصة كفاح وصبر المرأة بالمنطقة مثل “لقرشال” و”لمغزل”. كما ضم المتحف أواني المطبخ التقليدي كـ “لمهراز” النحاسي و”البراد” المغربي الأصيل، وألبسة تقليدية نسائية وللاطفال “كتشامير،” “والدراعية” وغيرها، مشهد يربط جيل اليوم بجذور أجدادهم، ويجعل من المدرسة حارساً للهوية والتراث.
دعم السلامة الطرقية: لمسة “نارسا” (NARSA) حاضرة
وفي التفاتة نبيلة تعكس شمولية الرعاية للناشئة، شهد الحفل توزيع خوذات واقية على التلاميذ، وهي المبادرة التي تأتي بشراكة مع الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية (NARSA). وفي هذا السياق، تتقدم الجمعية بكامل الشكر والتقدير للوكالة على انخراطها الفعال في تحسيس الأطفال حول السلامة الجسدية للتلاميذ، وتعزيز ثقافة الوقاية الطرقية في الوسط القروي، مما يساهم في الحد من مخاطر الطريق التي تواجه المتمدرسين يومياً
غرس قيم النماء واستراحة شاي أصيلة
وفي خطوة ترمز للعطاء والاستدامة، شارك معالي السفير والوفد المرافق في زراعة شجرة زيتون بحديقة الإعدادية، لتكون شاهداً حياً ينمو مع توالي السنين على متانة الروابط بين الشعبين. واختتمت هذه المحطة بـ حفل شاي متميز أقامته إدارة إعدادية عين سبو على شرف الضيوف، في أجواء مطبوعة بالود والتقدير، كانت فرصة لتبادل الأحاديث الودية حول آفاق التعاون المستقبلي قبل التوجه نحو المحطة الموالية بـ “أدرج”.
أدرج.. محطة التمكين ودعم الفتاة القروية
انتقل الوفد بعد ذلك إلى دار الفتاة أدرج، حيث استقبل السيد رئيس الجمعية الخيرية الإسلامية الوفد الرسمي بحفاوة بالغة. هناك، تم تدشين المكتبة النموذجية (أقيمت سنة 2025) الخاصة بالمقيمات، والتي تهدف إلى محاربة الهدر المدرسي وتوفير بيئة تعلمية محفزة للفتيات المنحدرات من المناطق الجبلية الوعرة.
وبلغة الوفاء، تم توزيع شواهد تقديرية وهدايا تذكارية باسم جمعيتي “التضامن للتنمية” و”الجمعية الخيرية أدرج” تقديراً لجهود السفارة الأسترالية. وكرمز للصداقة المتجذرة والنماء المستمر، قام معالي السفير والسيدة المسؤولة عن برنامج (DAP) بزراعة شجرتي زيتون في امام مدخل الدار، لتكون شاهداً حياً على استمرارية العطاء.
مأدبة غداء وأجواء من الكرم الأصيل
وتتويجاً لهذه الزيارة المفعمة بالمشاعر الإنسانية، أبت الجمعية الخيرية الإسلامية لدار الفتاة أدرج إلا أن تحتفي بضيوفها الكبار والحاضرين على مائدة مغربية بامتياز؛ حيث أقيمت وجبة غداء على شرف معالي السفير والوفد المرافق، تصدرها طبق “الكسكس المغربي الأصيل”، الذي أُعدّ بلمسة محلية تعكس جود وكرم أهل منطقة أدرج. وقد كانت هذه الالتفاتة فرصة سانحة للضيوف للاستمتاع بفن الطبخ المغربي العريق، وسط أجواء عائلية دافئة سادها التقدير المتبادل، وجسدت أسمى معاني الترحيب والاحتفاء بـ “ضيف الدار” فوق تراب إقليم صفرو.
احترافية أمنية وتغطية إعلامية وازنة
لم تكن هذه الزيارة لتنجح لولا المواكبة الاحترافية للسلطات المحلية والدرك الملكي والقوات المساعدة بإقليم صفرو، الذين سهروا على تأمين تنقل الوفد بكل سلاسة وأمان ذهاباً وإياباً.
كما حظي الحدث بتغطية إعلامية متميزة من طرف **القناة الأولى وصحيفة **الديار، اللتين نقلتا بالصوت والصورة تفاصيل هذا الإنجاز التنموي.
خاتمة وامتنان
إن جمعية التضامن للتنمية بالمنزل، وهي تختتم هذا اليوم الناجح بكل المقاييس، تجدد شكرها الجزيل لوفد سفارة دولة أستراليا، والسلطات المحلية والدرك الملكي والقوات المساعدة وإدارة إعدادية عين سبو، والجمعية الخيرية الإسلامية وإدارة دار الفتاة أدرج، والشركاء، وعلى رأسهم مؤسسة محمد الخامس للتضامن، التي يعود اليها الفضل في تشييد هذه الدار كمشروع حيوي، سنة 2000 بغلافا مالي اً قدره 1.680.000 درهم، بالإضافة إلى توفير الوعاء العقاري اللازم وتجهيز هذه المؤسسة التربوية، بطاقة استعابية تصل الى 92 مقيمة، وذلك في سياق المبادرات الرائدة لمؤسسة محمد الخامس للتضامن والرامية إلى مكافحة الهدر المدرسي وتشجيع تمدرس الفتاة في المناطق النائية.
اضافة الى المبادرة الوطنية للتنمية البشرية التي توفر الدعم المالي واللوجيستيكي بصفة فعالة، والتعاون الوطني الذي يوفر كذلك ميزانية قارة والمحسنين ورجال الإعلام.
لقد غادر الضيوف باتجاه الرباط، مخلفين وراءهم أثراً طيباً في نفوس الساكنة والناشئة، ومؤكدين أن “المكتبة” هي الجسر الأقصر نحو مستقبل مشرق يسوده العلم والقيم الإنسانية المشتركة.