Site icon جريدة صفرو بريس

إذا كان من أكل كلبا أمام العدالة، فأين الكلاب التي أكلت المال العام؟

في بلدٍ يمكن أن تتحول فيه واقعة بسيطة إلى قضية رأي عام تُتابَع بسرعة وصرامة، يحق للمواطن أن يطرح سؤالاً أكثر إلحاحاً وأعمق دلالة: لماذا لا تظهر نفس الحدة حين يتعلق الأمر بالمال العام؟

السؤال هنا لا يهدف إلى المقارنة بين الوقائع، بقدر ما يكشف مفارقة في الإحساس بالعدالة: سرعة في التفاعل مع قضايا فردية صادمة، وبطء ثقيل حين يتعلق الأمر بملفات الفساد المالي التي تمس حياة الملايين.

المال العام ليس رقماً في ميزانية الدولة، بل هو مدارس لم تُبنَ، ومستشفيات تعاني الخصاص، وبنيات تحتية ناقصة، وفرص شغل ضائعة، ودعم اجتماعي لم يصل إلى مستحقيه. ومع ذلك، يظل السؤال معلقاً: أين تتسرب هذه الأموال؟ ومن يحاسب حين تضيع؟

في الخطاب الرسمي، لا يكاد يخلو تصريح من التأكيد على محاربة الفساد وربط المسؤولية بالمحاسبة وتعزيز الشفافية. لكن على مستوى الواقع، يشعر كثيرون أن هناك فجوة بين الخطاب والتطبيق، بين إعلان النوايا ونتائج المتابعة الفعلية للملفات الكبرى.

المفارقة أن المواطن لا يطالب بامتياز في المحاسبة، بل بالمساواة في تطبيق القانون. فإذا كانت واقعة فردية تستنفر المؤسسات، فإن وقائع هدر المال العام – بحجمها وتأثيرها – يفترض أن تستنفر المنظومة بكاملها، لأن أثرها ليس لحظياً بل ممتد في الزمن الاجتماعي والاقتصادي.

لكن الفساد المالي العام لا يظهر غالباً في صورة فعل مباشر واضح، بل يتشكل داخل منظومة معقدة من الصفقات والتدبير والتأويلات القانونية، ما يجعل تتبعه أصعب، ومواجهته أكثر تعقيداً، وأحياناً أكثر بطئاً مما يتوقعه المواطن.

وهنا يصبح السؤال “أين الكلاب التي أكلت المال العام؟” سؤالاً رمزياً لا يبحث عن أشخاص فقط، بل عن منظومة كاملة: كيف تُتخذ القرارات؟ كيف تُراقب الصفقات؟ وكيف تتحول بعض الثروات العامة إلى تراكمات خاصة دون أن ينعكس ذلك على حياة الناس؟

الأخطر من الفساد نفسه هو اعتياده. حين يصبح الحديث عن تبديد المال العام أمراً مألوفاً، دون نتائج ملموسة، يتحول الغضب إلى عادة، والمساءلة إلى خطاب متكرر، والثقة إلى رصيد يتآكل بصمت.

المسألة ليست في البحث عن “أعداء” بقدر ما هي في ترسيخ قاعدة أساسية: أن المال العام مسؤولية جماعية، وأن أي مساس به يجب أن يخضع لنفس الصرامة القانونية، بعيداً عن الانتقائية أو البطء أو التفاوت في المعايير.

في النهاية، قد تبدو بعض الوقائع الصغيرة أكثر إثارة للانتباه، لكنها لا يجب أن تحجب عن الأنظار الوقائع الأكبر والأعمق أثراً. فقياس العدالة لا يكون فقط بسرعة تدخلها في الحالات الفردية، بل بقدرتها على الوصول إلى الملفات الثقيلة التي تُصنع فيها الثروة العامة وتُحدد فيها مصائر المجتمع.

وإذا كان من أكل كلباً قد وجد نفسه أمام العدالة، فإن السؤال الذي يظل مفتوحاً هو: أين الذين أكلوا المال العام… ومن يملك الجرأة على فتح هذا الباب إلى نهايته؟

Exit mobile version