المغرب

أخنوش ولقجع.. حين تتحول أوراش الدولة إلى مباراة انتخابية بين الحمامة والجرار

يبدو أن حرارة الاستحقاقات الانتخابية المقبلة بدأت تتسلل بقوة إلى ملاعب السياسة، حتى أصبح ملعب الحسن الثاني ببنسليمان نفسه عنوانا لمواجهة سياسية بين عزيز أخنوش وفوزي لقجع، بعدما خرج رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم وعضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة بتصريحات حول احتضان الملعب لنهائي كأس العالم 2030، وهي التصريحات التي لم تمر مرور الكرام على رئيس الحكومة ورئيس حزب التجمع الوطني للأحرار.

أخنوش لم يهاجم لقجع بسبب كرة القدم، وإنما فتح نقاشا سياسيا أوسع بكثير: لمن تعود ملكية الأوراش الكبرى التي تشهدها البلاد؟ وهل يجوز لمسؤول حزبي أن يتعامل مع مشاريع الدولة وكأنها إنجاز حزبي يمكن تقديمه للمواطنين خلال الجولات الانتخابية؟ فملعب بنسليمان ليس ملعب حزب، ومشاريع البنية التحتية ليست هدايا انتخابية، والمليارات التي تضخ في هذه الأوراش ليست من خزائن الأحزاب، وإنما من موارد الدولة والمال العام.

ومن هنا جاءت لهجة أخنوش حادة، خصوصا عندما حذر من تقديم الوعود للمواطنين ومن الذهاب إلى المدن والقول للناس إن هذا الحزب أو ذاك هو من جلب لهم الملعب أو المشروع. الرسالة كانت واضحة: لا أحد يملك حق تسجيل مشاريع الدولة باسمه الحزبي، ولا أحد يستطيع تحويل الأوراش الوطنية الكبرى إلى رصيد انتخابي خاص.

لكن في الجهة المقابلة، يصعب تجاهل أن فوزي لقجع لم يعد مجرد مسؤول رياضي، بل أصبح فاعلا سياسيا بارزا داخل حزب الأصالة والمعاصرة، وأن حضوره في ملف كأس العالم 2030 جعله واحدا من أكثر الأسماء ارتباطا بالمشاريع الرياضية والاستعدادات المرتبطة بهذا الحدث العالمي. لذلك فإن كل تصريح يصدر عنه في هذا السياق يمكن أن يقرأ سياسيا، خصوصا في مرحلة بدأت فيها الأحزاب تستعد لمعركة انتخابية سيكون فيها تقديم الحصيلة والتفاخر بالمشاريع جزءا أساسيا من الخطاب.

وهنا تصبح المعركة بين الرجلين أكبر من بنسليمان وأكبر من نهائي المونديال. إنها معركة على من سيكتب قصة الإنجاز، ومن سيضع اسمه تحت المشاريع الكبرى، ومن سيقنع المواطن بأن السنوات الماضية كانت سنوات هذا الحزب أو ذاك.

المفارقة أن الحمامة والجرار يجلسان معا داخل الأغلبية، لكنهما في الوقت نفسه يتحركان كخصمين في سباق انتخابي مبكر. حزب التجمع الوطني للأحرار يريد الدفاع عن حصيلته الحكومية، وحزب الأصالة والمعاصرة يريد بدوره تقديم نفسه كقوة سياسية وازنة قادرة على صناعة الإنجاز. وبين هذا وذاك، بدأت بعض الأوراش الكبرى تتحول إلى أوراق على طاولة التنافس الحزبي.

وإذا كان من حق كل حزب أن يدافع عن حصيلته وأن يقدم للمغاربة ما يعتبره إنجازا، فإن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو: أين تنتهي مسؤولية الحزب وأين تبدأ مسؤولية الدولة؟

فالمواطن الذي يرى ملعبا ضخما يبنى، أو طريقا تشيد، أو مستشفى ينجز، أو بنية تحتية تتغير، لا ينبغي أن يطلب منه أن يعتبر تلك المشاريع ملكا انتخابيا لهذا الحزب أو ذاك. هذه مشاريع يفترض أن تستمر مهما تغيرت الحكومات وتبدلت التحالفات وتغيرت موازين القوى داخل البرلمان.

أما تحويلها إلى عناوين انتخابية، فسيجعل المغاربة أمام سباق غريب: كل حزب يريد أن يقول أنا فعلت، وكل مسؤول يريد أن يسجل نقطة في مرماه الانتخابي، بينما المواطن يريد شيئا أبسط من كل هذه الحسابات: أن يرى المشروع ينجز، وأن يلمس أثره في حياته، وأن يعرف أين ذهبت أموال الدولة، ومن المسؤول عن النتائج عندما تنجح المشاريع أو تفشل.

أما قصة نهائي كأس العالم 2030، فهي بدورها تحتاج إلى قدر من الحذر في الخطاب السياسي. فاستضافة المغرب لهذا الحدث الكبير مكسب وطني، لكن توزيع مباريات البطولة ومواعيدها وملاعبها ليس مجالا للمزايدات الانتخابية ولا للوعود التي تقدم وكأنها قرارات فردية. النهائي تحديدا يحمل رمزية استثنائية، ولذلك فإن حسمه يجب أن يكون ضمن الترتيبات الرسمية المرتبطة بتنظيم البطولة، وليس عبر التصريحات الحزبية.

وهنا ربما أراد أخنوش أن يضع حدا لما اعتبره تجاوزا للخط الفاصل بين الدولة والحزب، لكنه في الوقت نفسه فتح بابا سياسيا لن يغلق بسهولة: إذا كانت مشاريع الدولة لا يجوز احتسابها حزبيا، فهل ينطبق الأمر نفسه على باقي المشاريع التي ظلت الحكومة تقدمها خلال ولايتها باعتبارها حصيلة لها؟ وهل يمكن للأحزاب جميعا أن تلتزم بالقاعدة نفسها عندما تبدأ الحملة الانتخابية الحقيقية؟

المواجهة بين أخنوش ولقجع تكشف إذن عن شيء أبعد من خلاف حول ملعب أو نهائي مونديال. إنها تكشف بداية شد الحبل داخل الأغلبية نفسها، بين حزب يقود الحكومة ويريد أن يحافظ على حقه في تقديم حصيلته، وحزب يوجد داخلها لكنه يستعد في الوقت نفسه لخوض معركة انتخابية يريد أن يدخلها بأوراق قوية.

وبين الحمامة والجرار، يبدو أن الملعب تحول إلى ملعبين: واحد في بنسليمان ينتظر أن يحتضن كبار العالم في كرة القدم، وآخر في السياسة بدأ يستقبل أولى المواجهات الانتخابية. وفي الملعب الثاني، لا يتعلق الأمر بكرة تتدحرج بين الأقدام، بل بحصيلة ومشاريع وأصوات وذاكرة مواطن سيحكم في النهاية على من يقول الحقيقة ومن يحاول تسجيل أهداف سياسية من ملاعب الدولة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى